انتقل إلى المحتوى

سيفار… المدينة الحجرية التي نحتتها الطبيعة وحيّرت الإنسان

إليزي – جنوب شرق الجزائر
في أقصى جنوب-شرق الجزائر، حيث الصحراء لا تُشبه الصورة النمطية عنها، وحيث يبدو الحجر وكأنه يتنفّس تاريخًا، تقف مدينة سيفار كأحد أكثر المشاهد الجيولوجية والإنسانية إدهاشًا في العالم. ليست مدينةً شُيّدت بأيدي البشر، ولا حضارةً اندثرت، بل مدينة صخرية طبيعية نحتتها عوامل الزمن عبر ملايين السنين، حتى بدت وكأنها عمران متكامل في قلب الصحراء الكبرى.
مدينة بلا بشر… ولكن بملامح مدينة
عند التجوّل بين تكوينات سيفار، يصعب على الزائر تجاهل الإحساس بأنه يسير داخل مدينة مهجورة؛ أزقّة ضيقة، ممرات متداخلة، جدران مرتفعة، تجاويف تشبه الغرف، وأعمدة حجرية شاهقة كأنها بقايا قلاع. هذا التشابه البصري الاستثنائي جعل سيفار تُعرف شعبيًا بـ «المدينة الحجرية»، وأطلق حولها سيلًا من التسميات الأسطورية مثل مدينة الجن أو عرش الشيطان.
غير أن الحقيقة، كما يؤكد العلماء، أبعد ما تكون عن الأسطورة.
التفسير العلمي: معجزة جيولوجية
تقع سيفار داخل هضبة طاسيلي ناجر، وهي منطقة من الحجر الرملي تعرّضت عبر آلاف السنين لعوامل طبيعية قاسية، من أبرزها:
•التعرية الهوائية
•تغيّر المناخ
•السيول القديمة
•التفاوت الحراري الشديد
هذه العوامل مجتمعة شكّلت ما يُشبه مدينة منحوتة بدقة مذهلة، دون أي تدخل بشري. ويجمع الجيولوجيون على أن ما يراه الزائر اليوم هو عمل طبيعي خالص، لا يحمل أي دلائل على بناء أو تخطيط حضري بشري.
ذاكرة الإنسان الأولى
لا تقتصر أهمية سيفار على شكلها فقط، بل تتجاوز ذلك إلى كونها أحد أكبر المتاحف المفتوحة لفنون ما قبل التاريخ. تحتضن المنطقة آلاف الرسوم والنقوش الصخرية التي يعود بعضها إلى أكثر من 10 آلاف سنة، وتوثّق مشاهد من:
•حياة الإنسان البدائي
•الصيد والطقوس الاجتماعية
•الحيوانات التي عاشت حين كانت الصحراء واحة خضراء
وتُعد هذه الرسومات دليلًا حيًا على التحولات المناخية الكبرى التي شهدتها المنطقة، وعلى استقرار الإنسان فيها في عصور سحيقة.
لماذا كثرت الأساطير؟
العزلة الجغرافية، وصعوبة الوصول، وضخامة التكوينات الصخرية، وهدوء المكان شبه المطلق، كلها عوامل غذّت الخيال الشعبي عبر الزمن. ومع انتشار محتوى منصات التواصل الاجتماعي، تحوّلت سيفار إلى مادة خصبة للغموض والمبالغات، رغم أن الدراسات العلمية تُفنّد أي ارتباط خارق أو غيبي بالموقع.
موقع عالمي محمي
نظرًا لقيمتها الطبيعية والتاريخية، أُدرجت هضبة طاسيلي ناجر، بما فيها سيفار، ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، وتخضع لقيود صارمة لحمايتها من العبث أو الاستغلال السياحي غير المنظم.
الخلاصة
سيفار ليست مدينة الجن، ولا عرش الشيطان، بل شاهد نادر على قدرة الطبيعة وذاكرة الإنسان.
مكان يُذكّر بأن بعض أعظم «المدن» لم تُبنَ بالإسمنت، بل صاغها الزمن، واحتفظت بأسرارها في الصخر.
في سيفار، لا تزور مدينة… بل تدخل فصلًا من تاريخ الأرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *