انتقل إلى المحتوى

أقنعة الودّ وخفايا المواقف

ليست الخيانة دائمًا طعنةً في الظهر؛ فقد تكون ابتسامةً على مائدة، أو مصافحةً أمام عدسات، أو صمتًا محسوبًا حين يكون الكلام واجبًا. وأشدّ الخيانات قبحًا تلك التي لا تجرؤ على إعلان نفسها، فتستعير وجه الأخوّة، وتتوارى خلف العهود، وتترك للأفعال أن تقول ما تخجل الألسن من الاعتراف به.
في السياسة، قد تختلف المصالح وتتباعد الرؤى، وذلك من طبائع الدول، لكن الفارق عظيم بين اختلافٍ تحفظه المواثيق، وخلافٍ تُدار خيوطه في العتمة، فليس كل من جلس إلى جوارك شريكًا في المصير، ولا كل من أكثر الحديث عن الأمن المشترك أمينًا عليه. وحين تصبح الطرق الملتوية أقصر من طرق الوفاء، فإن الخلل لا يعود في اختلاف المواقف، بل في فساد البوصلة التي تهدي أصحابها.
وثمّة أسئلة لا تحتاج إلى اتهام كي تُقلق، ولا إلى تسمية كي تبلغ أصحابها، من المستفيد حين تطول أمد الفوضى، ومن يربح حين تبقى أدوات التهديد قائمة، ولماذا تبدو بعض الأبواب عصيّةً على الإغلاق، رغم أن مفاتيحها ليست مجهولة، أسئلة يفرضها منطق الأمن، ولا يجيب عنها ضجيج البيانات، وإنما تجيب عنها الحقائق حين تنكشف.
لقد عرفت المملكة معنى الجوار مسؤوليةً لا شعارًا، ومارست الأخوّة موقفًا لا مجاملة، وقفت حيث تراجع غيرها، وبذلت حين كان البذل مكلفًا، ولم تجعل من ضعف الأشقاء فرصةً لاستثمار أزماتهم، غير أن الكرم السياسي لا يعني التساهل في السيادة، ولا يقتضي الوفاء أن تظلّ الثقة مفتوحةً لمن تثير أفعاله الشكوك، والأشدّ خطرًا من الخصومة الظاهرة أن تتحوّل الشراكة إلى غطاءٍ للتناقض، وأن يُطلب من المتضرر صونُ المظاهر، بينما تُترك أسباب الضرر بلا معالجة، فالأمن لا تحرسه المجاملات، والتحالف لا تصونه الصور التذكارية، والمصير المشترك لا يستقيم حين يصبح الخطر على أحد أطرافه مجالًا لحسابات الآخرين.
ومن يراهن على استنزاف المملكة عبر اضطراب محيطها يخطئ في فهم طبيعة القوة السعودية؛ فهي لا تقيس قدرتها بضجيج الردود، ولا تجعل انفعال اللحظة بديلًا عن حسابات الدولة. لكنّ ضبط النفس لا يلغي حقّها في حماية أمنها، كما أن الحرص على استقرار المنطقة لا يمنح أحدًا حصانةً من المساءلة متى ثبت إخلاله بالتزاماته. ولذلك فإن المرحلة لا تحتاج إلى مزيد من عبارات الاطمئنان، بل إلى وضوحٍ في المسؤوليات، وشفافيةٍ في المسارات، وإجراءاتٍ تقطع الطريق على كل ما يغذّي التهديد، فمن أراد شراكةً صادقة فليجعل أمن شريكه جزءًا من أمنه، لا متغيّرًا في معادلات مصالحه، ويبقى الدرس الذي لا ينبغي أن يغيب، أن العهود تُختبر حين تتعارض مع الأطماع، وأن الوفاء لا تظهر قيمته في أوقات الرخاء، بل حين تصبح للخيانة مكاسب مغرية.
أما المملكة، فليست دولةً تستجدي وفاءً، ولا وطنًا ينتظر من الآخرين أن يمنحوه حقّ الأمان، إنها تعرف قدرها، وتحفظ عهودها، وتملك من الحكمة ما يمنعها من التسرّع، ومن القوة ما يحميها من الابتزاز، فليحذر من يخلط بين الصبر والغفلة، وبين الحلم والعجز؛ فليست كل الأوراق التي لم تُكشف مجهولة، ولا كل الحسابات التي لم تُصفَّ منسيّة، وليعلم من جعل من الأخوّة ستارًا، ومن الوفاء فرصةً، ومن الصمت مجالًا للتمادي، أن للتاريخ ذاكرةً لا تخون، وللأوطان هيبةً لا تُساوَم، وللحلم حدودًا إذا بلغها تغيّرت المواقف وسقطت الأقنعة. فالمملكة لا تُختبر في صبرها، ولا تُستدرج إلى ما يمسّ سيادتها، ومن ظنّ أن الهدوء غفلة، وأن الوفاء ضعف، فليُعد قراءة التاريخ، وليتذكّر أن الأسود لا تفقد أنيابها حين تصمت، وأن من يعبث بأمن الجبال لا ينبغي أن يطمئنّ إلى ثبات الأرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *