عجائب الأدب وغرائبه

يشكِّل الأدبُ، بكافة فروعه، إنتاجًا فكريًّا مميزًا يتم تدوينه وفق تصنيفات متعددة، يلتقطه الباحث عن الفائدة والمتعة الأدبية التي تطرب النفوس بكل مكوناتها من مفردات وصور وتراكيب، يضعها الأديب وفق سرد أدبي شيق، تجود به موهبته وقدراته، وتصقله ثقافته النامية بالاطلاع على الإنتاج الغزير للأدباء في عصره والعصور التي شهدت نهضات أدبية استحقت التدوين، لتنقل للأجيال المتلاحقة، ويبقى أثرها وصورها الأدبية عالقة في الأذهان، وتحملها صفحات الكتب الورقية والرقمية، مشكلةً أرتالًا من الصفحات الجميلة للأدب بمعناه الرفيع، ومتفرعةً بأقسامه الرائعة التي تجذب كل قارئ محبٍّ للشعر والنثر والرواية والقصة والمقال، وكل ما يمس الحس الإنساني بالتأثير والعاطفة.

ومن فروع الأدب التي طرقها الأديب في كتاباته المتنوعة أدب العجائب، الذي يجذب القارئ ويثير دهشته بما يكتبه من كلمات ومعانٍ، وبكل قصة ورواية، وحتى أبيات الشعر التي نُظمت فوق قدرة الإنسان وما سواه من المخلوقات حوله.. ومن خلال كتاباته الأدبية، يوضح لنا الأديب، عبر السرد المتتابع، أن الأدب التعجبي تفرَّع من الأصل المكتوب، ليتجاوز القدرة الطبيعية للشخوص ومرتكزات الطبيعة من حوله، بفكر يحاول الوصول إلى مبتغاه، وبأسلوب تعجبي يتتبعه القارئ بكل كلمة وجملة، للوصول إلى ما يريده المؤلف، الذي اتبع منهجًا مغايرًا لمن سبقه، مبتعدًا عن النمطية المملة.

ظهر هذا النوع الأدبي في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي عند الأدباء الغربيين، في العديد من الروايات الأدبية والقصص، حيث استنطقوا في كتاباتهم كل من لا يستطيع البوح، لكنهم أوجدوا له المنطق المؤثر على المتصفح للرواية والقصة، وأوصلوه بأفكارهم التي حطمت قيود الطبيعة إلى شواطئ مبتغاة ومرجوة، فكانت تلك الموانئ هي التي أضاءت عقولهم وأنجبت الحلول المؤرخة بمجرد العبور إليها.

لقد جنح العديد من الكُتَّاب، قديمًا وحديثًا، إلى ممارسة الأدب التعجبي لكسر قيود الواقع المشاهد، وكل ما ترسخ في الذهن البشري من حقائق لا تقبل النقاش أو التشكيك، سواء في ثبوتها الكلي أو الجزئي الدائم، وإن تعددت البيئات البشرية والمكونات المحيطة بها، تحديثًا وتغييرًا في معالجة الأحداث المتناولة من قِبَل الكاتب، ورغبةً منه في إطلاق كامل الحرية للعقل البشري لتصوير كل ما حوله من أحداث ومشاهد، وفق ما يمليه عليه فكره الأدبي المتقد. وبهذا، يأخذ الكاتبُ المثقفَ المتابع إلى مساحات جديدة وحديثة لم يسبقه أحد إلى التطرق إليها، أو إلى تقديمها بالطريقة التي استخدمها لطرح محتواه الأدبي.

وعند التأمل في الأدب التعجبي، نجد أنه صناعة أدبية نابعة من فكر الأديب المتحرر من قيود واقعه، الذي يتناول اللامعقول ويجعله من المدركات العقلية على صفحات الكتب، ليقنع الجميع بأن النتائج هي الواقع المأمول، حتى وإن دارت أحداثها في نطاق خارج عن المألوف البشري، لأن البشر منهم أولو الألباب، كما وصفهم بذلك رب العالمين.

وهكذا، يخرج الكاتب عن المألوف، ويبدع بخيال خصب، دون أن يقع في معصية لمن وهبه هذا العقل، وكرَّمه به، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *