وَعْيُ الثُّنَائِيَّةِ : قِرَاءَةٌ فِي جُذُورِ التَّنَاقُضِ الْإِدْرَاكِيِّ

الفرق بين الشيء ونقيضه ليس في ماهيتهما إنما في اهتزاز الرغبة به أو الرغبه عنه فالوجود لايعرف التضاد لأن الوعي هو من يقيمه عندما ينقسم على نفسه ، فكل نقيضين يبدوان كقطبين للواقع الملموس هما امتدادان لأهتزاز واحد في الداخل ، حركة الرغبة حين تتجه نحو الشيء وحين تعرض عنه في آنٍ واحد
الأهتزاز الداخلي الصادر عن الرغبة نحو الاقبال أو الإدبار هو المقياس فالذي نراه اختلافاً هو في الحقيقة تذبذب الوعي بين الميل والنفور ، إذ أننا لانواجه الأشياء بل نواجه صورتنا فيها والتناقض ليس في الوجود بل فينا ، في عمق الوعي الذي يقسم نفسه يرغب ويتهيب معاً وحين تسكت الرغبة يتلاشى الفرق بين الشيء وضده ويعود الكل إلى وحدته الأولى حيث الوعي بلا اتجاه وحيث لا رغبة تقسم الوجود إلى مانريد و مانريد أن نبتعد عنه ، وفي النقطة الأعمق من التفكير لايظهر التناقض بوصفه خاصية في الأشياء بل اضطراباً في الوعي نفسه ، فالوجود في جوهره لايعرف التضاد ، هو كل متّصل تتجلى فيه الصور والظلال وفق اهتزازت الادراك والتصور ، لكن حين تدخل الرغبة بين اقبال أو إدبار ينشطر الادراك إلى قطبين : الشيء ونقيضه ، يبدو أحدهما مرغوباً والآخر مرفوضاً ويدخل في المسافة القائمة بين هذه الرغبة أوالرفض الوعي الذي انقسم على نفسه لأسباب تعود إلى منظومات عديدة يخضع لها هذا الوعي ويبني اختياراته وفق اتجاهات كل منظومة
وهكذا يتبين أن التناقض الذي نتصور بأنه سمة للأشياء ليس إلا ظل اهتزاز داخلنا نتيجة وعي انقسم على نفسه ، وأن الذي نراه صراعاً بين الأضداد ليس إلا ارتجاف الرغبة بين اقبال وادبار فإذا هدأت الرغبة نحوه أو عنه انطفأ التذبذب وسكنت الموجة في بحرها الأول وتجلّى الوجود كما هو واحد لايعرف التضاد صافٍ دون انقسام وفي الصمت عن هذا وهذا يدرك الوعي نفسه بوصفه أصل الوحدة ويكتشف أن ماكان يراه اختلافاً لم يكن سوى حركته حول ذاته ..!


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *