تبوك مدينة العفو.. حين يسبق العتق لحظة القصاص

تبرز تبوك مدينةً للعفو، حيث يقدّم أهلها نماذج مضيئة في العفو عن القصاص، أولئك الذين اختاروا الصفح والعفو لوجه الله تعالى، إيمانًا بأن ما عند الله أعظم وأبقى، مقتدين بخير البشرية رسول الله ﷺ، حين دخل مكة فاتحًا فعفا عن قريش وقال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».

العفو والصفح قوة في القلب والروح، يفتح أبواب الرحمة والمغفرة، ويصلح النفوس ويقوّي الروابط الاجتماعية، فكيف إذا كان العفو عن الرقاب، وهو أعلى درجات العفو، لا يقدم عليه إلا الكرام الذين يعلمون أن ما عند الله خيرٌ وأبقى، مصداقًا لقوله تعالى:
﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾.

وقد بيّنت السنة النبوية فضل العفو والتسامح، إذ قال ﷺ: «ما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًا»، كما وصف الله أهل الإحسان بقوله:
﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾.

حديث المجتمع في تبوك اليوم كان عن تنازل المواطن زايد بن سالم النشاري العطوي عن قاتل ابنه في ساحة القصاص، قبيل التنفيذ بلحظات، تنازلًا لوجه الله تعالى دون مقابل، رغم ما عُرض عليه من مغريات، وما قُدّم من وساطات من مشايخ القبائل والأعيان والوجهاء.

وقد روى النشاري مشاهدته لإنزال الجاني من المركبة في ساحة القصاص داخل السجن، والسياف يستعد لتنفيذ الحكم، بين أمرٍ بالتنفيذ أو عدمه، قبل أن يُنزِل الله سكينته على قلبه، فيعلن العفو لوجه الله، مؤكدًا رفضه لأي احتفالات أو مناسبات، لأنه طلب ما عند الله وحده.

وفي حديثه الذي أُجري معه عبر سناب تغطيات بني عطية، ثمّن حرص صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن سلطان بن عبدالعزيز أمير منطقة تبوك، وسمو نائبه الأمير خالد بن سعود بن عبدالله الفيصل، واهتمامهما بقضايا الإصلاح والعفو، ومتابعتهما لأعمال لجنة الإصلاح في إمارة المنطقة.

وليست هذه الحالة الأولى، فقد شهدت المنطقة خلال الأسبوع ذاته تنازل قبيلة العميرات ممثلة في أهل الدم عن القصاص في قضية إبراهيم المسعودي، مع التنازل الكامل عن الدية المودعة في حساب عتق رقبته، والتي تجاوزت خمسة عشر مليون ريال، إضافة إلى التنازل عن المبلغ المتبقي وقدره خمسة وثلاثون مليون ريال، لوجه الله تعالى.

وسبق ذلك عدد من حالات التنازل لوجه الله تعالى من قبل أفراد من قبيلة بني عطية، بلغت سبع عشرة حالة، إضافة إلى تنازلات أخرى من قبائل مختلفة في المنطقة، ما يجعل من تبوك بحق مدينةً للعفو.

وبحكم ممارستنا للعمل سابقًا في محكمة تبوك، ومتابعتنا الإعلامية الممتدة لعقود لحالات العفو، يتضح حرص سمو أمير منطقة تبوك على الإصلاح، واهتمامه الشخصي بمثل هذه القضايا، ولقائه بكل من قدّم تنازله لوجه الله، مثمنًا هذا الموقف، وداعيًا لأصحابه بالأجر والثواب.

لقد أصبحت تبوك، بحكم علاقاتها الاجتماعية والقبلية المتينة، نموذجًا فريدًا في التلاحم والتكافل، حيث تتوحد الشفاعات، وتلتقي القلوب، ويقدَّم الإصلاح على الخصومة، في ظل دولة تطبق شرع الله بعدل، وتكفل للإنسان حقه، وتجعل العفو بابًا للأجر والإصلاح، كما جاء في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ.

عبدالرحمن محمد العطوي


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *