في تضاريس تبوك لا تُمثّل الجغرافيا إطاراً للمكان بل هي تجلٌّ وجودي تتصالح فيه المادة مع معناها الأقصى هنا ، حيث تشرئبُّ الأرض بكامل صمودها لتعانق شفافية المطلق يغادر الشعور حيز الانفعال ليدخل مختبر الصيرورة فليست الطبيعة الشمالية مجرد مشهدٍ بصري بل هي “رَحِمٌ” يعيد صياغة الوعي الإنساني وفقاً لقانون الخيمياء الكونية الذي يحوّل صلابة الصخر إلى سيولة وجدانية عابرة للمادة وتستنطقُ ترتيل الأودية ليكون تدويناً أزلياً لذاكرة الحنين ، بينما تعيد حبات الرمل صياغة الوقت كذراتٍ من الضوء اللاهث خلف أسرار التكوين فلا يعود الوادي مجرد ممر للمياه بل شرياناً يغذي وجدان الأرض ولا تبقى الرمال ساكنة بل هي تجاعيد الزمن الجميل التي تروي حكاية الثبات في وجه العبور
وفي حضرة “حسمى” و” الزيتة ” لا يعود الإنسان ساكناً للمكان بل يصبح مأهولاً به إذ يفرض هذا الامتداد البصري نوعاً من الإشراق الروحي حيث تنعكس استطالة الأفق في الروح فتتلاشى الأقنعة الزائفة أمام الحضور الممتد المهيب ، إنه انكشافٌ وجودي يجعل من الصدق قدراً محتوماً فالمكان الذي لا يحده حد لا يرتضي من ساكنيه إلا روحاً لا تحدها التناقضات
إن العاطفة في قلب الإنسان الشمالي ليست رهافةً هشّة بل هي رقة صلبة تشبه تضاريس الأرض التي صقلتها الريح دهوراً حتى استقامت على هيئة قصيدة ، هي سيولة لا تعرف التبعثر بل تجري كجريان الأودية في صميم الصخر مستمدة مشروعيتها من وحدة الوجود مع الأرض ، وحين تبلغ الدورة الكونيّة ذروة تكثيفها في المكان تمارس البرودة دور المحفز الكيميائي فتُكثّف الصمت ليصبح لغة وتُحوّل وحشة الامتداد إلى أُلفةٍ ميتافيزيقية تنضجُ على نار الوفاء الصامت
وفي هذا المختبر الروحي تلتقي الأنفة برهافة الحس في تلاحم فلسفي ينفي الثنائيات ، فلا وجود لـ “أنا” والطبيعة بل تيار وجودي واحد يتدفق من أعالي الجبال ليصب في حوض القلب ، إن الإنسان في شمال المملكة هو المعنى وقد استحال نبضاً ، والتعبير الأسمى عن جغرافيا انصهرت مادتُها بوعي ساكنيها لتصبح فكراً ، وذاكرةً ، وحضوراً يتجاوز أسر الزمن ليفيض في فضاء الامتداد .

اترك تعليقاً