في ذاكرة المدن أحياء لا نسكنها فقط، بل تسكننا هي أيضًا، وتبقى تفاصيلها حيّة في أعماقنا مهما ابتعدت السنوات وتبدلت الملامح. ومن بين تلك الأحياء يظل حي البساتين واحدًا من أجمل النماذج الاجتماعية التي اختزلت زمن الطيبين، حين كانت البيوت متجاورة، والقلوب أكثر قربًا من الجدران، وحين كان الحي بأكمله يعيش كأنه أسرة واحدة.
لم تكن الجيرة في ذلك الزمن مجرد تقارب منازل، بل كانت امتدادًا للعائلة الكبيرة؛ أبواب مفتوحة، وموائد مشتركة، وأفراح وأحزان يتقاسمها الجميع دون تكلّف. كان الأطفال ينتقلون بين البيوت وكأنهم أبناء بيت واحد، وكانت الأمهات يحملن همّ الجميع بمحبة صادقة، فيما شكّل الآباء ـ رحمهم الله ـ صورة نادرة في التكاتف والتراحم وصناعة الإنسان قبل أي شيء آخر.
ورغم بساطة الحياة آنذاك وقلة الإمكانات، فإن ذلك الجيل امتلك بصيرة عظيمة في بناء القيم قبل المظاهر، فخرج من تلك البيوت المتلاصقة معلمون ومربون وأطباء ومهندسون وضباط ورجال خدموا وطنهم بإخلاص، ليبقى حي البساتين شاهدًا على أن البيئة الصالحة تصنع الإنسان الناجح قبل أن تصنع المكان الجميل.
ومن أجمل صور الوفاء التي تستحق أن تُروى، العلاقة الممتدة لما يقارب ستة عقود بين أسرة محمد عايد الجويان العطوي «أبو عبدالله» رحمه الله، وأسرة دعسان محمد الهلباني البلوي «أبو محمد» رحمه الله. لم تكن تلك العلاقة مجرد جيرة عابرة، بل كانت نموذجًا صادقًا للمحبة الصافية التي تتجاوز حدود الزمن، حتى أصبحت رابطًا أسريًا وإنسانيًا عميقًا.
وفي هذا السياق يبرز اسم محمد سليمان جريد الرويعيات، الذي نشأ على تلك القيم الأصيلة، مواصلًا نهج الوفاء الذي تربّى عليه، ومجسدًا في تواصله الدائم أسمى معاني البر وصلة الود بين الأسر المتحابة.
كما تظل أم محمد وأم عبدالله ـ أمد الله في عمريهما ـ القلب النابض لهذه العلاقة، إذ لا تزال بينهما تلك المحبة القديمة التي لم تُطفئها السنوات، وكأن كل اتصال بينهما تجديد لعهد بدأ منذ أكثر من ستين عامًا.
ويبرز كذلك العميد البحري محمد دعسان البلوي «أبو باسم»، الذي قدّم نموذجًا حيًا للوفاء وصلة الود، من خلال حرصه الدائم على التواصل والسؤال وزياراته المستمرة لمجلس والدنا محمد عايد الجويان رحمه الله؛ ذلك المجلس العامر الذي بقي محافظًا على روحه القديمة، وانتقل من منزل البساتين البسيط إلى موقعه الحالي وهو يحمل ذات الدفء والمحبة واستقبال الأوفياء.
ولعل أجمل ما يختصر هذا الوفاء، حضوره للاطمئنان على والدتنا «أم عبدالله» بعد عمليتها الجراحية، وقوله بعفوية صادقة: «إذا خرجت أم عبدالله بالسلامة بلغوني، أبغى أفرّح والدتي حتى تطمئن عليها». كلمات بسيطة، لكنها تختصر معدن الرجال الأوفياء الذين لا تغيّرهم الأيام، ولا تنقطع فيهم روابط المحبة مهما امتدت المسافات.
إن قصة أهالي حي البساتين ليست مجرد حكاية عن حي قديم، بل رسالة اجتماعية عميقة تؤكد أن الجار كان يومًا سندًا، وأن الوفاء قيمة لا يبهت نورها مع الزمن، وأن العلاقات الصادقة تبقى الإرث الأجمل الذي يتركه الآباء للأبناء.
رحم الله الآباء الراحلين، وبارك في أعمار الأمهات، وحفظ الأبناء الذين أبقوا هذا السراج مضيئًا في زمن أصبح الناس فيه أكثر قربًا في الوسائل، وأبعد في المشاعر.

اترك تعليقاً