الاستظهار على الناس

أحيانًا لا تؤلمنا الكلمات بقدر ما يؤلمنا المكان الذي قيلت فيه، والأشخاص الذين سمعوها.
وقبل أيام، شكى لي أحدهم بحرقة موقفًا لم يستطع تجاوزه بسهولة، بعدما شعر أن شقيقه لم يكن يناقشه بقدر ما كان يستظهر عليه أمام مجموعة من الأقارب البعيدين، وكأن إثبات القوة لا يكتمل إلا بوجود الناس حوله يشاهدون المشهد. عندها بدا الأمر أكبر من مجرد موقف عائلي عابر، بل صورة متكررة لسلوك يعيشه كثير من الناس بأشكال مختلفة.

فبعض الناس لا يزعجه الاختلاف بقدر ما يزعجه أن لا يكون هو الأعلى حضورًا في المشهد. لذلك لا يكتفي أحيانًا بإبداء رأيه، بل يتعمد التوبيخ أو التقليل من الآخر أمام الناس، وكأن شعوره بالقوة لا يكتمل إلا حين يرى الطرف المقابل أصغر منه أمام الحاضرين.

وما يجعل هذه السلوكيات أكثر خطورة أنها لم تعد مواقف فردية عابرة، بل أصبحت تتكرر في بيئات العمل والمجالس وحتى داخل بعض العلاقات الأسرية، حتى بات بعض الناس يظن أن الهيبة لا تكتمل إلا بإحراج الآخرين أمام من حولهم.

فالاستظهار على الناس ليس قوة حقيقية، بل حالة يعيش فيها بعض الأشخاص شعورًا داخليًا بالرضا حين يرون أنفسهم مسيطرين على غيرهم. لذلك لا يكتفون أحيانًا بالكلام أو الاختلاف، بل يتعمدون التوبيخ أو التقليل أمام الحاضرين، لأن غرورهم أو تضخم الأنا لديهم لا يهدأ إلا حين يشعرون أن بيدهم التسلط على الطرف الآخر.

تراه أحيانًا في مدير يوبّخ موظفًا أمام زملائه على أمر كان يستطيع قوله بهدوء داخل مكتبه، لكنه يريد أن يرى نظرات الصمت حوله. وتراه في شخص لا يترك أحدًا يكمل حديثه في المجالس، وكأن الاعتراف بآراء الآخرين ينتقص من قيمته. فبعض الأشخاص لا يكتفي بمعالجة الخطأ، بل يحب أن يراه الناس وهو يعاقب، ولا يكتفي بإبداء الرأي، بل يريد دائمًا أن يكون صاحب الكلمة الأخيرة، وكأن وجود الآخرين لا يكتمل إلا بتراجعهم خطوة إلى الخلف ليبقى هو في الواجهة.

وفي المقابل، هناك استظهار مختلف تمامًا، استظهار لا يقوم على الإحراج أو التقليل من الآخرين، بل على التأثير الإيجابي. فبعض الناس حين يريد التوجيه يختار أن يكون بينه وبين الشخص بعيدًا عن أعين الناس، وحين يسمع رأيًا صحيحًا لا يجد حرجًا في تأييده، لأن غايته ليست إثبات ذاته بل الوصول إلى الصواب. وهذا النوع من البشر يترك أثرًا مريحًا فيمن حوله، لأن حضوره لا يصنع خوفًا أو توترًا، بل احترامًا وطمأنينة.

وفي النهاية، لابد للإنسان أن يراجع نفسه في انتقاء كلماته، واختيار المكان المناسب لها، والمحافظة على كرامة الآخرين، حتى مع أقرب الناس إليه… وحتى مع ابنه.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *