يفد على المؤمنين موسم جليل الخطر، سامق القدر، تتشوف إليه النفوس المنيبة، وتحنو نحوه الأفئدة الوجلة؛ إنها عشر ذي الحجة، مهوى الأرواح الزاكية، ومجلى القربات العلية، التي نوه الباري سبحانه بفضلها، وخلد ذكرها في محكم التنزيل بقوله جل شأنه: ﴿والفجر وليال عشر﴾، وما كان قسم الجليل إلا تعظيما لشأن خطير، ومقام كبير. هي أيام تأنقت بحلل الطاعات، وتضوعت بشذى الأذكار، وترددت في آفاقها تراتيل التهليل والتكبير، وأنات الخاشعين، وابتهالات المنكسرة قلوبهم بين يدي الملك القدير. أيام تستدر فيها سحائب الرحمات، وتستجلى فيها مواطن القبول، وتضاعف فيها المثوبات، حتى غدت أحب الأيام إلى الله عملا، وأرفعها منزلة وأزكاها أثرا، بل فاق العمل الصالح فيها ذرى الجهاد في سبيل الله، إلا من بذل روحه وماله فلم يؤب منهما بشيء. وفي أفنان هذه العشر الوضيئة تتجلى حقائق العبودية في أسمى معارجها، وتنبلج أسرار الافتقار إلى الله في أبهى مشاهدها؛ فهذا صائم قد أضنى جوارحه ابتغاء نفحة من رضوان الله، وذاكر لا يفتر لسانه عن التحميد والتسبيح، ومتصدق يسكب من ماله سخاء يرجو به المثوبة والقبول، وحاج خلع عن قلبه علائق الفانية، ويمم وجهه شطر البيت العتيق، مستجيبا نداء الخليل عليه السلام، مترنما بنداء التوحيد: “لبيك اللهم لبيك”، وكأن روحه قد انعتقت من أسر التراب لتحلق في آفاق الصفاء والقرب. ومن أجل المنن وأعظم العطايا أن خص الله هذه البلاد المباركة بشرف الحرمين الشريفين، واصطفاها لخدمة وفود الرحمن، وهيأ لها قيادة سخرت الوسع، واستنفرت الطاقات، وبذلت الغالي والنفيس؛ ليؤدي ضيوف الله مناسكهم في أجواء الأمن والسكينة، والطمأنينة والراحة.وإن الامتثال للتعليمات والتنظيمات الصادرة عن الجهات المختصة ليس مجرد انقياد إداري، بل هو من تمام التعظيم لشعائر الله، ومن إحكام مقاصد الشريعة في صيانة النفوس وحفظ الأرواح، وتحقيق التعاون على البر والتقوى.
ومن بديع محاسن هذا الدين الحنيف أنه شاد بنيان العبادة على ركيزتي التوكل والأخذ بالأسباب، فأمر بالتحرز من مواطن الهلكة، وحض على دفع المضار واستجلاب المصالح. فليس من الفقه في شيء أن تبتغى الطاعة بمخالفة الإرشادات، ولا أن يلتمس الأجر بتعريض الأنفس والأرواح للخطر، بل كمال النسك في حسن الاتباع، وجمال السمت، والرفق بعباد الله، وصيانة الحقوق والأنفس.
فيا من أظلته هذه المواسم العظام، اغتنم نفحاتها قبل انصرامها، وشمر إلى مولاك بقلب مخبت، وعمل متقبل، ونفس متجردة من أوضار الغفلة؛ فإنها أيام وإن تقاصرت في العدد، فقد تعاظمت في الميزان والأثر، وتسامت عند الله منزلة وقدرا. أحيوا لياليها بمدارسة القرآن، وعمروا نهاراتها بالصيام والإحسان، وأكثروا فيها من التهليل والتكبير والتحميد؛ فلعل عبرة صادقة تستنزل الرحمة، أو دعوة خاشعة تشرع لها أبواب السماء، أو عملا خفيا يدخره الله لصاحبه يوم الفاقة والافتقار. نسأل الله الوهاب الكريم أن يجعل هذه الأيام شاهدة لنا بالخيرات، لا شاهدة علينا بالتفريط والزلات، وأن يرزق الحجاج حجا مبرورا، وسعيا مشكورا، وذنبا مغفورا، وأن يديم على بلاد الحرمين عزها المكين، وأمنها الوارف، ورخاءها المستدام، إنه سبحانه ولي الإحسان، والمتفضل بالإنعام.

اترك تعليقاً