محترفو الجرائم الرقمية واستغلال التقارير النفسية كثغرة قانونية لمراوغة وتعطيل العدالة

في كل مجتمع، تقوم العدالة على مبدأ راسخ لا يقبل الالتباس: لا أحد فوق النظام، ولا يجوز أن تضيع حقوق المواطنين بسبب ثغرات إجرائية أو مبررات تُستخدم في غير موضعها. غير أن الخطر يتضاعف عندما تتحول الأدوات التي وُجدت لحماية الإنسان، مثل التقارير النفسية والطبية، إلى وسيلة محتملة لتعطيل المساءلة أو تأخير إنفاذ الإجراءات النظامية.

القضية التي يطرحها عدد من المتضررين تتعلق بشخص مطلوب في عدد من القضايا لدى الجهات المختصة في منطقة تبوك، وهي قضايا يقال ان بعضها موجبة للتوقيف. وبحسب ما يذكره أصحاب الشكاوى، فقد كان هذا الشخص خارج المملكة، ثم عاد إلى السعودية عبر مدينة الرياض، حيث تم توقيفه من قبل شرطة المطار، قبل أن يتم إطلاق صراحه لاحقًا، دون تسليمه إلى الجهة التي تطلبه في منطقة تبوك. وتتمثل الحجة التي أثيرت في هذا السياق، وفق رواية المتضررين، في استخدام تقرير نفسي كسبب لإطلاق صراحه أو عدم استكمال إجراءات تسليمه.

هذه الواقعة، إن صحت تفاصيلها، تفتح بابًا واسعًا للنقاش حول واحدة من أخطر الثغرات التي قد تمس العدالة: استغلال التقارير النفسية كوسيلة للتهرب من المساءلة، وتعطيل حقوق المواطنين الذين تقدموا بشكاوى رسمية ضد الشخص المعني.

بين التقرير النفسي والمسؤولية النظامية

لا خلاف على أن الحالات النفسية الحقيقية تستحق الرعاية والعلاج والحماية. فالمريض النفسي، متى ثبتت حالته بتقارير رسمية معتمدة، يجب أن يُعامل بما يراعي وضعه الصحي والإنساني. لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول التقرير النفسي إلى غطاء يمنع تنفيذ الإجراءات، أو يوقف حق المتضررين في الوصول إلى العدالة.

فالمرض النفسي، إن وجد، لا ينبغي أن يكون سببًا لإسقاط حقوق الناس، ولا مبررًا لإبقاء القضايا معلقة دون معالجة واضحة. العدالة لا تتعارض مع الرعاية النفسية؛ بل يمكن الجمع بينهما عبر إجراءات دقيقة تضمن العلاج من جهة، وحفظ الحقوق العامة والخاصة من جهة أخرى.

جرائم رقمية تمس الأشخاص والمجتمع

وبحسب ما يذكره المتضررون، فإن القضايا المنسوبة إلى هذا الشخص لا تقف عند حدود الخلافات الفردية، بل تتضمن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في التشهير والإساءة لأحد كبار المسؤولين في منطقة تبوك، إضافة إلى عدد من رجال الأمن، دون مراعاة لمكانتهم، أو لأثر ذلك على زملائهم وأسرهم ومحيطهم الاجتماعي.

هذا النوع من الجرائم لا يضر بالشخص المستهدف وحده، بل يمتد أثره إلى أسرته، وزملائه، ومجتمعه، ويخلق حالة من الأذى المعنوي والتشويه الاجتماعي. فالتشهير عبر المنصات الرقمية أصبح اليوم من أخطر صور الاعتداء غير المباشر، لأنه ينتشر بسرعة، ويبقى أثره حتى بعد حذف المنشورات أو توقف الحسابات المسيئة.

وعندما يستهدف التشهير رجال أمن أو مسؤولين يؤدون واجباتهم العامة، فإن الضرر لا يكون شخصيًا فقط، بل يمس هيبة الوظيفة العامة، ويؤثر في ثقة المجتمع، ويعرض عائلاتهم لضغوط نفسية واجتماعية لا ذنب لهم فيها.

سلوك إجرامي بغطاء نفسي

الشخص الذي تتعدد ضده البلاغات، ثم يلجأ إلى استغلال ثغرات إجرائية أو طبية لتجنب المواجهة النظامية، يمثل خطرًا يتجاوز حدود الفعل الواحد. فالخطورة هنا ليست فقط في الجريمة المزعومة، بل في النمط السلوكي المتكرر: الإساءة، التشهير، المراوغة، ثم محاولة الظهور بمظهر من يحتاج إلى حماية خاصة.

هذا السلوك، إن ثبت، يعكس قدرة على استخدام التعاطف الاجتماعي أو التقرير النفسي كوسيلة لتعطيل المحاسبة. وهو أمر بالغ الخطورة، لأنه قد يشجع آخرين على اتباع الطريق نفسه، ويضعف ثقة المتضررين في جدية الإجراءات النظامية.

الضحايا بين الانتظار وفقدان الثقة

المواطن الذي يتقدم بشكوى رسمية لا يبحث عن انتقام، بل عن إنصاف. يريد أن يشعر أن النظام يحميه، وأن بلاغه لا يضيع، وأن من أساء إليه أو شهر به أو تسبب في ضرر له سيواجه الإجراءات النظامية العادلة.

لكن حين يرى المتضررون أن الشخص المطلوب عاد إلى المملكة، وتم توقيفه في المطار، ثم أُطلق سراحه دون تسليمه للجهة التي تطلبه، فإن السؤال المشروع يبرز بقوة: أين ذهبت حقوق المشتكين؟ ومن يضمن ألا تتكرر الإساءة؟ ومن يتحمل مسؤولية الضرر النفسي والاجتماعي الذي لحق بالضحايا وأسرهم؟

ضياع الحقوق لا يحدث دائمًا بسبب حكم قضائي؛ أحيانًا يحدث بسبب التأخير، أو ضعف التنسيق، أو استخدام مبررات لا تخضع لمراجعة دقيقة.

الخطر على نفسه وعلى المجتمع

من يستغل التقارير النفسية للتهرب من المساءلة يضر بنفسه أولًا قبل أن يضر بالمجتمع. فهو يحرم نفسه من العلاج الحقيقي إن كان مريضًا فعلًا، ويغرق أكثر في السلوك العدواني أو المسيء إن كان يستخدم المرض كذريعة. وفي كلتا الحالتين، يصبح وجوده دون متابعة دقيقة خطرًا عليه وعلى الآخرين.

أما المجتمع، فيتضرر عندما يرى أن التشهير والإساءة عبر وسائل التواصل يمكن أن تمر دون حسم، أو أن الحقوق يمكن أن تتعطل بسبب تقرير لم يُراجع بما يكفي. مثل هذه الوقائع تضعف الردع، وتزيد من شعور الضحايا بالعجز، وتفتح الباب أمام فوضى رقمية واجتماعية خطيرة.

المطلوب: رعاية نفسية لا تعطل العدالة

الحل لا يكون بالتشكيك في كل تقرير نفسي، ولا بتجاهل الحالات المرضية الحقيقية، بل بوضع ضوابط واضحة وصارمة عند استخدام التقارير النفسية في القضايا الجنائية والأمنية.

ينبغي أن يُحال الشخص إلى تقييم نفسي رسمي من لجنة طبية محايدة ومعتمدة، على أن يحدد التقرير بوضوح مدى أهليته للمساءلة، ومدى حاجته للعلاج، ومدى خطورته على نفسه أو على الآخرين. وفي الوقت نفسه، يجب ألا يؤدي وجود التقرير إلى تعطيل تسليمه للجهات المختصة أو إسقاط حقوق المتضررين.

فمن الممكن نظامًا وإنسانيًا أن يُعامل الشخص وفق حالته الصحية، مع استمرار الإجراءات العدلية والأمنية بحقه. الرعاية لا تعني الإفلات، والتقييم النفسي لا يعني إغلاق ملفات الشكاوى.

كلمة أخيرة

التقارير النفسية وُجدت لحماية المرضى الحقيقيين، لا لتكون ممرًا خلفيًا للهروب من العدالة. ووسائل التواصل الاجتماعي وُجدت للتواصل والتعبير، لا للتشهير والإساءة وهدم سمعة الناس والتأثير على أسرهم وزملائهم.

وإذا كان هناك شخص مطلوب في قضايا موجبة للتوقيف، وتم توقيفه عند عودته إلى المملكة ثم أُطلق سراحه دون تسليمه للجهة التي تطلبه، فإن الأمر يستحق مراجعة عاجلة وشفافة. ليس بدافع التشهير بأحد، بل حمايةً لحقوق المواطنين، وصيانةً لهيبة النظام، ومنعًا لتحويل التقارير النفسية إلى ثغرة تهدد العدالة والمجتمع.

فالخطر الحقيقي لا يكمن في شخص واحد فقط، بل في أن تتحول الثغرة إلى سابقة، وأن يتعلم الآخرون أن الطريق إلى الإفلات لا يكون بإثبات البراءة، بل باستغلال التقارير، والمبررات، والفراغات الإجرائية

المحامي والمستشار القانوني
محمد عبدالله البلوي


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *