لا تصدق الكاركتر.. اسأل ماذا يخفي

أصبحت أعتقد أن عدد الممثلين في الحياة أكثر من عددهم في السينما.

والفرق الوحيد أن ممثل السينما يتقاضى أجرًا على التمثيل، أما بعض ممثلي الحياة فيمثلون مجانًا.

في السينما يكتب المؤلف الكاركتر.

أما في الحياة، فصاحب الكاركتر هو الذي يكتبه بنفسه.

ثم يقضي بقية عمره يحرسه، ويصونه، ويمنع الناس من الاقتراب منه.

تجلس مع أحدهم دقائق قليلة فتشعر أنه لم يخطئ منذ خلق الله آدم.

هذا هو صاحبنا “المنزّه”.

رجل لو تأخرت الشمس عن الشروق يومًا ما، لألقى عليها محاضرة قصيرة عن أهمية الانضباط واحترام المواعيد.

عنده رأي في كل شيء.

وحكم على كل شيء.

وتقييم لكل شيء.

والمشكلة أنه يتعامل مع الحياة وكأنها اختبار نموذجي، والإجابات كلها محفوظة في جيبه.

أما الخطأ، فهو شيء جميل يراه عند الناس فقط.

ثم يأتيك صاحب الموسوعة.

وهذا رجل كريم جدًا.

يوزع المعلومات على الجميع.

حتى المعلومات التي لا يملكها.

لو اختلف طبيبان في عملية دقيقة، أدلى برأيه.

ولو تناقش مهندسان في مشروع ضخم، قدم بعض الملاحظات.

ولو جلس بجوار رائد فضاء، لشعر أن الرحلة تحتاج إلى خبرته المتواضعة.

هذا الرجل يخاف من جملة واحدة أكثر من خوف الأطفال من طبيب الأسنان:

“لا أعرف.”

لذلك يعرف كل شيء.

أو هكذا يعتقد.

ثم يدخل الطاووس.

ولا أعرف لماذا يدخل الطاووس دائمًا وكأنه الافتتاح الرسمي لمهرجان كبير.

إذا نجحت، بارك لك.

ثم شرح لك كيف كان نجاحه أكبر.

وإذا سافرت، حدثك عن سفراته.

وإذا مرضت، أخبرك أن مرضه كان أخطر.

وإذا فرحت، أثبت لك أن فرحته كانت أعظم.

هذا الرجل لا يحب أن يكون محور الحديث.

بل يعتقد أن الحديث خُلق أصلًا من أجله.

ثم يظهر أبو الفضيلة.

وهو رجل يحمل همّ البشرية على كتفيه.

يراقب أخطاء الناس كما يراقب موظف الجوازات جوازات المسافرين.

ويستنكر أشياء كان يفعلها معهم قبل سنوات قليلة.

ويتحدث أحيانًا وكأنه خرج من بطن أمه مباشرة إلى مجلس الحكماء.

فإذا ذكّره أحد بماضٍ قريب، أصيب بضعف مفاجئ في الذاكرة.

ثم تأتي الحرباء.

وهي من أعاجيب المخلوقات الاجتماعية.

لها وجه لكل مناسبة.

ورأي لكل مجلس.

وقناعة لكل شخص.

ولو جمعت أقوالها في يوم واحد، لاكتشفت أنك أمام حزب كامل لا أمام إنسان واحد.

أما كاملة الأوصاف، فهي حالة خاصة.

لم تخطئ يومًا.

ولم تندم يومًا.

ولم تتعثر يومًا.

ولم تمر بيوم سيئ منذ فتحت عينيها على الدنيا.

حتى يخيل إليك أن الحياة تعتذر لها شخصيًا إذا أزعجتها نسمة هواء.

وبعد سنوات من مراقبة هذه الكاركترات اكتشفت شيئًا بسيطًا.

المشكلة ليست في الكاركتر.

المشكلة فيما وراء الكاركتر.

فكلما رأيت شخصًا يلمع الكاركتر أكثر من اللازم، تذكرت قاعدة بسيطة:

لا تصدق الكاركتر.

اسأل ماذا يخفي.

لأن صاحب الكمال غالبًا يخفي خوفًا من انكشاف النقص.

وصاحب الموسوعة يخفي خوفًا من قول: لا أعرف.

والطاووس يخفي جوعًا لا ينتهي للاهتمام.

والحرباء تخفي خوفًا من الرفض.

وأبو الفضيلة قد يخفي معركة قديمة مع نفسه لم تنتهِ بعد.

لأن الكاركتر في النهاية ليس الحقيقة.

بل الستارة الموضوعة أمامها.

ولذلك لا تتعب نفسك في عدّ الكاركترات.

ولا في حفظ أسمائها.

اسأل فقط:

ماذا يخفي هذا الكاركتر؟

ففي كثير من الأحيان، تكون الحقيقة واقفة خلفه مباشرة.

صامتة.

هادئة.

تنتظر فقط أن يسقط القناع.

وفي النهاية…

لا يسقط الإنسان

الذي يسقط هو الكاركتر.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *