فهد بن سلطان.. حكاية جيل مع أمير

قبل نحو خمسة وعشرين عامًا، كنت أنا وأحد الزملاء نقف في مكتب صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن سلطان بن عبدالعزيز بمبنى الإمارة السابق بتبوك، نحمل تقويمًا أعددناه عن المنطقة. كان بالنسبة لنا عملاً نفخر به، وجهدًا بذلنا فيه ما نستطيع في تلك المرحلة من العمر.

وعندما تشرفنا بتقديمه لسموه، لم يكتفِ بتسلّمه كما يحدث في كثير من المناسبات الرسمية، بل توقف عنده، وأخذ يتصفح صفحاته ويسأل عن فكرته ومحتواه وكيفية إعداده. كانت دقائق معدودة، لكنها بقيت في ذاكرتي حتى اليوم.

ولم يكن السبب في ذلك التقويم نفسه، بل في ذلك الاهتمام الذي منح شابين في بداية الطريق شعورًا بأن ما قدماه يستحق أن يُرى ويُقدّر. ومنذ ذلك اليوم، بقي ذلك المشهد حاضرًا في ذاكرتي كلما استعدت محطات طويلة عشتها وشاهدتها في تبوك على امتداد أكثر من خمسة وثلاثين عامًا.

في تلك السنوات المبكرة، كانت المناسبات التعليمية جزءًا من ذاكرة أبناء المنطقة. كنا نرى سموه في احتفالات المدارس ومناسبات التكريم المختلفة، ثم في حفلات التخرج الجامعية وجوائز التميز العلمي. ومع مرور الوقت، لم تعد تلك المناسبات مجرد فعاليات رسمية في نظري، بل محطات أتابع من خلالها اهتمامه الدائم بأبناء المنطقة وبناتها وحرصه على دعم نجاحاتهم والاحتفاء بإنجازاتهم.

وما زلت أذكر حفل تخرج جامعة تبوك عام 2025، حين غلبت المشاعر الموقف، ورأيت الدموع تنهمر فرحًا واعتزازًا بما حققه أبناء وبنات المنطقة من نجاح وإنجاز. كان مشهدًا مؤثرًا لا يزال حاضرًا في ذاكرتي حتى اليوم، لأن ما رأيته في تلك اللحظات لم يكن مشهد مسؤول يحضر حفل تخرج فحسب، بل مشهد أب يفرح بأبنائه وبناته وهم يحصدون ثمار أعوام طويلة من الجد والاجتهاد. وقد عكس ذلك المشهد حجم العلاقة الإنسانية التي بناها مع أبناء المنطقة على امتداد السنين، وعمق إيمانه بأن نجاح الإنسان هو النجاح الحقيقي الذي يستحق الاحتفاء.

وفي الوقت نفسه، كنت أرى تبوك تتغير أمام عيني عامًا بعد عام. رأيت المنطقة تكبر في خدماتها ومرافقها ومؤسساتها التعليمية والصحية والزراعية، وشاهدت تحولات كبيرة لم تكن بالنسبة لنا أرقامًا في التقارير، بل واقعًا نعيشه في تفاصيل حياتنا اليومية.

كما أتيحت لي فرصة المشاركة عضوًا في إحدى لجان مزاين الإبل التي كان سموه يرأسها. ورغم أن طبيعة العمل لم تكن تقتضي تواصلاً مباشرًا بيني وبينه، فإن وجودي ضمن تلك اللجنة منحني فرصة مشاهدة كثير من التفاصيل عن قرب، ورؤية حجم الاهتمام الذي كان يوليه لهذا الموروث الأصيل وحرصه على المحافظة عليه وتعزيز حضوره في وجدان الأجيال الجديدة.

وخلال مشاركتي في عدد من المهرجانات والفعاليات، ومن بينها مهرجان ربيع تبوك ومهرجان الفاكهة والزهور، سنحت لي مواقف مباشرة معه، وما زلت أذكر مواقف طريفة مازحني فيها شخصيًا. وقد تبدو مثل هذه التفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها بالنسبة لمن يعيشها تكشف جانبًا إنسانيًا يصعب أن تنقله التقارير أو الكلمات الرسمية، وتعكس شخصية قريبة من الناس بطبيعتها وعفويتها.

كما شهدت حضوره في مناسبات مرتبطة بالقطاع الزراعي، ومنها جائزة المزرعة النموذجية، حيث كان دعم المزارعين وتشجيع التجارب الناجحة حاضرًا بصورة واضحة، وهو ما يعكس اهتمامًا بقطاع ارتبط بتاريخ المنطقة واقتصادها لعقود طويلة، وأسهم في ترسيخ مكانة تبوك الزراعية على مستوى المملكة.

ومن المعاني التي كثيرًا ما استوقفتني كذلك قيمة الوفاء والبر، وهي معانٍ يجدها الإنسان حاضرة في أكثر من صورة وموقف، ولعل جامع الوالدين أحد أبرز الشواهد التي تعكس مكانة الوالدين في وجدانه وما يحمله لهما من تقدير ووفاء.

وقد يكتب كثيرون عن المشروعات والمنجزات التي شهدتها تبوك خلال العقود الماضية، وهي منجزات كبيرة وواضحة للعيان، لكن ما بقي في ذاكرتي بعد كل هذه السنوات ليس مشروعًا بعينه ولا مناسبة بعينها، بل تلك التفاصيل الإنسانية التي لا تُسجل عادة في التقارير.

  • طالب يتسلم جائزة.
  • خريج يفرح بشهادته.
  • مزارع يُكرَّم على جهده.
  • ومشارك في مهرجان يحظى بكلمة تقدير أو ابتسامة أو مزحة عفوية لا ينساها.

هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الصورة الكبيرة في النهاية.

ولهذا، حين أستعيد اليوم رحلة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، لا أجد نفسي أكتب عن أمير منطقة فحسب، بل عن مرحلة كاملة من تاريخ تبوك عشناها معه وعاشها معنا. مرحلة رأينا فيها المكان يتطور، ورأينا فيها الإنسان يحظى بالاهتمام ذاته.

وإذا كانت المدن تحفظ تاريخها في الوثائق والسجلات، فإنها تحفظه أيضًا في ذاكرة أهلها. وفي ذاكرتي الشخصية سيبقى اسم الأمير فهد بن سلطان مرتبطًا بسنوات طويلة رأيت فيها تبوك تكبر أمام عيني، ورأيت فيها أميرًا ظل حاضرًا في تفاصيلها كما ظل حاضرًا في وجدان أبنائها.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *