
كتبه/فائز بن سلمان الحمدي
كأنَّ الأيامَ التي خلت على تبوك لم تكن من عُمْر الزمان، بل كانت من عُمْر القلوب؛ تثقل فيها الساعةُ حتى تُحسب يومًا، ويبطئ فيها النهار حتى يُظنُّ دهرًا، وتُصبح المدينةُ ـ على سَعَةِ أرضها وامتداد آفاقها ـ كأنها تضيق بما حملت من قلقٍ ورجاء. فما كان على الألسنة إلا الدعاء، ولا في الصدور إلا الضراعة، ولا في الأكفِّ المرفوعة إلا رجاءٌ صادقٌ أن يُتمَّ الله نعمته على صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن سلطان بن عبدالعزيز، وأن يردَّه إلى أهله ومحبيه ردًّا جميلًا، وقد ألبسه ثوب العافية، وأتمَّ عليه نعمة السلامة. وما ذاك إلا لأن الذي ألمَّ بسموه لم يُصِب في وجدان أهل تبوك أميرًا يجلس على سرير الإمارة، ولا رجلًا يتقلد منصبًا من مناصب الدولة، وإنما أصاب في نفوسهم معنىً من معانيهم، وركنًا من أركان ذاكرتهم، وصورةً طالما اقترنت بصورة المكان حتى غدا ذكرُ أحدهما يُفضي إلى ذكر الآخر، واسمُ أحدهما يستدعي اسم صاحبه.
لقد طال العهد حتى أصبحت تبوك لا تذكر تاريخها القريب إلا وتذكر معه فهد بن سلطان، ولا تستعيد صفحات نهضتها إلا وترى في كل صفحةٍ أثرًا من آثاره، وفي كل معلمٍ شاهدًا من شواهده، حتى كأن الرجل لم يَعِش في هذه الأرض وحدها، بل عاشت هي أيضًا في ضميره، وأودع فيها من نفسه ما جعلها تُكنُّ له من المودة ما تكنُّه الديارُ لبانيها، والأوطانُ لرجالها المخلصين. ثم شاء الله ـ سبحانه ـ أن يقضي بكمال العافية، وأن يبدل الخوف أمنًا، والقلق سكينةً، والترقب بشارةً، فجاء خبر السلامة على القلوب وقوع الغيث على الأرض المجدبة، وعلى النفوس وقوع الفجر على عين الساري. وإذا الوجوه التي أضناها الانتظار قد أشرقت، وإذا العيون التي أرهقها القلق قد اغرورقت، لا حزنًا هذه المرة، بل فرحًا اكتمل، وشكرًا تمَّت به النعمة، وسرورًا فاض حتى ضاقت به الصدور.
وإن في حياة الأمم رجالًا إذا ذُكروا ذُكرت معهم عصورٌ بأسرها، وإذا استُعيدت أسماؤهم استُعيدت معها مسيرةُ بناءٍ كاملة؛ لأنهم لا يمرون في تاريخ أوطانهم مرور الأشخاص، بل يقيمون فيه إقامةَ المعاني الكبرى، ويثبتون في صفحاته ثبوتَ الجبال في الأرض.
والأمير فهد بن سلطان واحدٌ من أولئك القلائل الذين لا تُعرِّفهم المناصب، لأن المناصب تصغر دون أقدارهم، ولا تُحيط بهم الألقاب، لأن آثارهم أوسع من أن تُحصر في لقبٍ أو وظيفة. فقد تسلَّم تبوك وهي مرحلةٌ من مراحل الوطن، ثم لم يزل بها يقودها بعزم الحكيم، وبصيرة الخبير، وهمة الباني، حتى غدت صفحةً مضيئةً في كتاب التنمية السعودية، ومثالًا ناطقًا لما تصنعه القيادة إذا اقترنت بالإخلاص، وما يبلغه العمل إذا صحبه الصدق وطال عليه النفس.
ثم إنه ـ فوق ذلك كله ـ لم يكن أميرًا على الناس بسلطان المنصب وحده، بل كان أميرًا عليهم بمحبة القلوب. دانى البعيد، وأكرم القريب، وفتح بابه قبل أن تُطرق أبوابه، وجعل بينه وبين الناس من أسباب الألفة ما ألغى الحواجز، وأزال الكلفة، حتى غدا واحدًا من تفاصيل حياتهم، يعرفونه كما يعرفون وجوه آبائهم وإخوانهم، ويأنسون بذكره كما يأنسون بذكر أعزِّ أحبتهم. ومن أجل ذلك لم تكن عودته الميمونة عودةَ أميرٍ إلى مقرِّ إمارته فحسب، بل كانت عودةَ روحٍ إلى جسدها، وعودةَ نجمٍ إلى سمائه، وعودةَ أبٍ إلى أبنائه، وعودةَ معنىً كريمٍ إلى موضعه من القلوب. ولقد أحسَّ أهل تبوك ـ يوم بُشِّروا بسلامته ـ كأن شيئًا من النور قد عاد إلى مدينتهم، وكأن غيمةً من القلق قد انقشعت عن سمائها، وكأن المدينة التي صبرت على الانتظار قد أذِن الله لفرحتها أن تكتمل.
فالحمد لله حمدًا يملأ الأرض والسماء، الحمد لله الذي لا يتمُّ جميلٌ إلا بعونه، ولا تكتمل نعمةٌ إلا بفضله، الحمد لله الذي ردَّ أبا سلطان إلى أهله ومحبيه سالمًا معافى، فأقرَّ به أعينًا طال سهادها، وأبهج به قلوبًا طال دعاؤها، وأعاد إلى مدينةٍ بأسرها شيئًا من نبضها وأنسها وطمأنينتها. حمداً لله على سلامتكم يا أبا سلطان؛ فقد عدتم، فعادت معكم إلى تبوك سكينتُها، وأقبلت عليها بشائرُها، واستراحت قلوبُ أهلها بعد طول وجيب، واكتملت فرحةُ مدينةٍ كانت تنتظر هذه اللحظة كما ينتظر الظمآنُ أولَ القطرة، وكما ينتظر الساري أولَ تباشير الصبح. نسأل الله الكريم أن يُديم عليكم لباس العافية، وأن يحفَّكم بموفور الصحة والسلامة، وأن يبارك في العمر والعمل، وأن يبقيكم ذخراً لدينكم ومليككم ووطنكم، وأن يمدَّ في أيامكم أعوامًا من الخير والعطاء؛ فأنتم ـ في وجدان تبوك ـ لستم اسمًا في سجلِّ الأمراء، بل صفحةٌ من تاريخها، وفصلٌ من ذاكرتها، وآيةٌ من آيات الوفاء بينها وبين رجالها.

اترك تعليقاً