انتقل إلى المحتوى

حين يستقبل التاريخُ صانعَ المستقبل

ليست كل الزيارات تُقاس بمسافة الطريق، ولا كل الاستقبالات تُقرأ في تفاصيل البروتوكول؛ فبعض الضيوف يسبقهم إلى المكان ثِقَلُ أوطانهم. وغدًا، حين يدخل صاحب السمو الملكي الأمير/ محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء ساحة الشرف في مجمّع الإنفاليد بباريس، لن يكون المشهد مجرد مراسم استقبال لولي عهد دولة صديقة، بل لقاءً بين رمزية تاريخٍ فرنسي عريق، وحضورٍ سعودي يصنع ملامح زمنه.
فالإنفاليد، بما يحمله من ذاكرة الدولة وهيبة السلاح وشواهد التاريخ، يعرف جيدًا معنى أن يكون للمكان أهمية وللضيف قدر وفي ساحته التي مرّت بها وجوه صنعت صفحات من تاريخ فرنسا، يحضر قائدٌ جعل من الطموح السعودي مشروع دولة، ومن الرؤية مسار تحول، ومن المملكة رقمًا حاضرًا في معادلات السياسة والاقتصاد وصناعة المستقبل.
وليس اختيار باريس محطةً لهذا اللقاء منفصلًا عن عمق العلاقة بين المملكة وفرنسا؛ فعلاقة البلدين تجاوزت منذ زمن حدود المجاملات الدبلوماسية، واتسعت لتشمل السياسة والاقتصاد والاستثمار والطاقة والثقافة والدفاع، وأصبحت المصالح المشتركة بين الرياض وباريس جزءًا من شراكة تنظر إلى المستقبل بقدر ما تستند إلى تاريخها.
وتأتي الزيارة في زمنٍ شديد الحساسية؛ عالم تتبدل فيه موازين القوى، وشرق أوسط تتقاطع فوق أرضه الأزمات والمصالح، واقتصاد دولي يعيد ترتيب أولوياته وتحالفاته. وفي مثل هذا الزمن لا تُقاس الدول بحجم ما تملك فحسب، بل بقدرتها على التأثير، وباستقلال قرارها، وبالثقة التي تحظى بها حين تجلس إلى طاولة الكبار.
وهنا تبدو المملكة اليوم مختلفة في حضورها ولغتها وطموحها. فقد نقل الأمير محمد بن سلمان بلاده خلال سنوات من مرحلة استشراف المستقبل إلى مرحلة المشاركة الفعلية في صناعته. ولم تعد رؤية السعودية 2030 مشروعًا داخليًا للتنمية وحدها، بل أصبحت عنوانًا لتحول واسع أعاد تقديم المملكة للعالم: اقتصاد يتنوع، ومدن ومشروعات كبرى تُبنى، وثقافة تنفتح على العالم بثقة، ودبلوماسية تتحرك وفق المصالح الوطنية وتوازناتها.
ومن هنا تكتسب زيارة باريس معناها الأبعد؛ فولي العهد لا يحمل معه ملفات التعاون الثنائي وحدها، وإنما يحمل صورة السعودية الجديدة: دولة تعرف ما تريد، وتعرف وزنها، وتبني شراكاتها من موقع الثقة والمصلحة المتبادلة.
وفرنسا، بما تملكه من ثقل أوروبي ودولي، تدرك بدورها أن الرياض أصبحت مركزًا أساسيًا في معادلات المنطقة؛ وأن الحديث عن أمن الشرق الأوسط والطاقة والاستثمار ومستقبل الاقتصاد والتقنية والتحولات الجيوسياسية الكبرى لا يمكن أن يتجاوز المملكة. ولهذا فإن لقاء القيادتين السعودية والفرنسية ليس لقاء بروتوكول فحسب، بل حوار بين دولتين لكل منهما حضوره ومصالحه ورؤيته في عالم سريع التحول.
ولعل الصورة الأكثر تعبيرًا عن الزيارة ستكون هناك، في ساحة الشرف بالإنفاليد: مدافع عتيقة تحكي تاريخ فرنسا، ورايات ومراسم تستحضر هيبة الدولة، وفي قلب المشهد يقف ولي عهد المملكة ممثلًا وطنًا اختار أن تكون بوصلته إلى الأمام.
إنها مفارقة جميلة بين مكانٍ يحفظ التاريخ، وقائدٍ يصنع المستقبل.
وغدًا، عندما تعزف الموسيقى العسكرية سلام المملكة في قلب الإنفاليد، لن يكون الصوت مجرد جزء من مراسم الاستقبال؛ بل صدى وطنٍ أصبح حضوره مسموعًا في عواصم القرار. ستفتح باريس أبواب التاريخ لضيفها السعودي، فيما يدخل الأمير/محمد بن سلمان إليها حاملًا معه قصة وطنٍ لم يعد يسأل أين يتجه العالم، بل أصبح واحدًا ممن يشاركون في تحديد وجهته.هناك، بين جدران الإنفاليد، سيقف التاريخ شاهدًا على المشهد؛ فرنسا تستقبل ضيفها بثقل تاريخها، والسعودية تحضر بثقل مستقبلها. وبين التاريخ والمستقبل يقف الأمير/محمد
وفي فكرة رؤيةٌ تجمع ما بينهما*
بقلم
ل/م
عبد الله بن كريم العطيات

النقاش

  1. مقالةٌ بديعة تستحضر عظمة التاريخ وتستشرف آفاق المستقبل، وقد أبدع الكاتب اللواء عبد الله بن كريم العطيات في صياغة الفكرة بأسلوبٍ رصين وعبارةٍ آسرة، تجمع بين عمق المعنى وجمال الطرح. مقال يستحق الإشادة والتقدير

  2. كل الشكر والتقدير لكاتب مقال «حين يستقبل التاريخ صناع المستقبل» على هذا الطرح الراقي والكلمات العميقة التي تحمل رؤية واعية للمستقبل، وتُبرز مكانة صُنّاع الإنجاز وأصحاب الطموح في مسيرة الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

للقصة بقية