هيئة كبار العلماء.. موقف شرعي حازم في مواجهة الإرهاب الحوثي
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد جاء بيان الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية بشأن جرائم ميليشيا الحوثي الإرهابية ومحاولتها الآثمة استهداف الحرمين الشريفين موقفًا شرعيًا حازمًا، يكشف خطورة هذه الميليشيا، ويفضح ممارساتها العدوانية التي تتنافى مع أحكام الإسلام ومقاصده في حفظ الدين والنفس والأمن والمقدسات.
وتحتل هيئة كبار العلماء مكانة علمية وشرعية رفيعة، بما تضمه من علماء راسخين في العلم، وما تضطلع به من مسؤولية عظيمة في بيان الأحكام الشرعية، والتصدي للانحرافات الفكرية، والتحذير من الغلو والتطرف والإرهاب. ويأتي هذا البيان امتدادًا لمواقف الهيئة الراسخة في حماية الدين من التوظيف السياسي والمذهبي، وكشف الجماعات التي تتخذ من الشعارات الدينية وسيلة لتحقيق أهدافها العدوانية.
لقد كشف البيان خطورة ما ترتكبه ميليشيا الحوثي الإرهابية من استهداف للمدنيين، وترويع للآمنين، وزعزعة للأمن، وتفريق للكلمة، وصولًا إلى محاولة استهداف الحرمين الشريفين، في انتهاك صارخ لحرمة المقدسات الإسلامية. وقد أكد البيان أن خطر هذه الميليشيا لا يقل عن خطر تنظيمي داعش والقاعدة، بل يزيد عليهما في الإفساد في الأرض والعدوان على المسلمين؛ وهو توصيف يكشف جسامة هذه الممارسات، ويؤكد أن الإرهاب لا يختلف حكمه باختلاف الشعارات والمسميات. قال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ .
ومن أخطر ممارسات الميليشيا الحوثية فرض توجهاتها العقدية والفكرية بالقوة والإكراه على سكان المناطق الخاضعة لسيطرتها، وتوظيف الدين لتحقيق الهيمنة والإقصاء، وهو مسلك يناقض مبادئ العدل وصيانة الحقوق التي جاءت بها الشريعة الإسلامية. ولا يصح اتخاذ محبة آل بيت النبي ﷺ ذريعة لتبرير العدوان؛ فمحبتهم من الدين، أما ظلم المسلمين واستباحة دمائهم وحرماتهم فمما حرمه الله ورسوله.
وإن محاولة استهداف مكة المكرمة والمدينة المنورة ليست اعتداءً على المملكة العربية السعودية وحدها، بل هي اعتداء على مقدسات المسلمين جميعًا. وقد أحسن بيان هيئة كبار العلماء في تأكيد جسامة هذا العدوان، والإشادة بيقظة الدفاع الجوي السعودي وكفاءة القوات المسلحة في حماية المقدسات. وإن ما تبذله المملكة العربية السعودية، قيادةً وشعبًا، من جهود عظيمة في خدمة الحرمين الشريفين، ورعاية قاصديهما، وحماية أمنهما، لشرف عظيم ومسؤولية إسلامية تستحق التقدير والدعاء.
وإن مواجهة الإرهاب لا تقتصر على الإدانة والاستنكار، بل تشمل وحدة الصف، وتعزيز الوعي، وكشف الانحرافات الفكرية، وتحصين المجتمعات من الخطابات المتطرفة التي تستغل الدين لتبرير العنف والعدوان. وهنا تتأكد المسؤولية المشتركة على جميع الجهات المعنية، كلٌّ بحسب اختصاصه، في التصدي للفكر المتطرف، وكشف أساليب الجماعات الإرهابية، وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال، وتعزيز الأمن الفكري، وصيانة المجتمعات من أسباب الفرقة والفتنة. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ .
إن بيان هيئة كبار العلماء يمثل موقفًا شرعيًا راسخًا في مواجهة الإرهاب الحوثي، ويؤكد مكانة هذه المؤسسة العلمية ودورها العظيم في بيان الحق، وكشف زيف الشعارات، وحماية المقدسات من العدوان. كما يؤكد أن الإرهاب، مهما تعددت مسمياته، يبقى محرمًا إذا استباح الدماء، وروّع الآمنين، وانتهك الحرمات، وأن حماية الحرمين الشريفين واجب عظيم ومسؤولية يشترك المسلمون جميعًا في تعظيمها.
نسأل الله تعالى أن يحفظ الحرمين الشريفين، وأن يديم على بلادنا أمنها واستقرارها، وأن يحفظ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وأن يوفقهما ويسدد خطاهما، ويعينهما على ما فيه عز الإسلام والمسلمين، وصلاح البلاد والعباد، وأن يحفظ جنودنا المرابطين، وينصرهم على من اعتدى عليهم، وأن يرد كيد ميليشيا الحوثي الإرهابية في نحورها، ويبطل مكرها، ويفشل مخططاتها العدوانية، ويكفي المسلمين شرها وفتنتها، وأن ينصر المظلومين، ويرفع البلاء عن الشعب اليمني الشقيق، ويعيد إليه أمنه واستقراره، إنه سميع مجيب.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أ.د. نواف بن رحيل الشراري
أستاذ الفقه الإسلامي وأصوله بكلية الشريعة والقانون بجامعة تبوك





