انتقل إلى المحتوى

مَا وَرَاءَ إِحْدَاثِيَّةِ الْمَكَان.. السِّرُّ وَالْجَذْوَة

.
َيَوْمَ تَبُوكَ كِدْتُ مِنْ شِدَّةِ الْأَسَى
عَلَيْكَ، بِمَا أُخْفِي مِنَ الْوَجْدِ أُصَرِّحُ
” جميل بن معمر ”
من تبوك حيث يمتزج سرُّ الوجْدِ بتوق التجلي ، تنزاح الجغرافيا عن ظاهرها فيتوارى المكان خلف إحداثياته، ويغدو التراب كثافةً من الذاكرة، والحجر أثراً عصيّاً على الاستنفاد، والرمل امتداداً يتجاوز حدوده دون أن يغادر مادته.
ولأن للأمكنة طرائقها في الإفصاح عن الوجود، تتكشف التجربة الإنسانية بوصفها خارطة وجودية تمثل خلف إحداثياتها العقل المادي والأصل وما يمتد إلى ذلك من رموز؛ فدول الغرب بوصفها مثالاً على العقل الإجرائي والوعي المادي المندمج في آلية المادة والسيطرة على الزمن وديناميكية الوجود البحتة، ومصر اللسان الناطق الذي صاغ بيان التاريخ وفصاحته الكبرى عبر الأزمان، والعراق الذي كان سِفْرَ الحضارة الأول والذاكرة الباطنية التي احتضنت جذور الحرف وتشكيلات الرقم الأول للوجود، وأفريقيا مهد التشكّل الإنساني الأول السودان الذي مثل الرحم الجوهري الخليقي ومبتدأ الطين الأول والنواة التي هبطت فيها النفس الكلية إلى القالب الترابي لتلتحم بماء الميثاق . كل ذلك مع إبقاء سائر الأمكنة والرقع الجغرافية مفتوحةً على ما تختزنه من أسرار ودلالات لم يتناولها هذا التصور.
وهذه إشارات رمزية إلى بعض وجوه التجربة الإنسانية، لا حصرٌ للحضارات في هذه البلدان ولا اختزالٌ لتاريخها في سمة واحدة؛ فكل حضارة أوسع من الرمز الذي نستحضرها به، وكل أرض تحتفظ بما يتجاوز الصورة التي نرسمها لها
لكن ، ما الذي يجعل أرضاً بعينها تتجاوز موقعها فتغدو أكثر من مجموع ما جرى فوقها ؟
أما السعودية فهي الجذوة والخاتمة الاستثنائية ، الأرض التي هبطت فيها الرسالة الخاتمة لتطوي تعاقب الرسالات السماوية وتصل ما سبقها بما يمتد في الوجود بعدها، فتغدو الخاتمية هنا حدّاً للتتابع الرسالي لا انقطاعاً لامتداد الرسالة في الزمن والإنسان. إنها النقطة المرجعية التي يُعاد عندها تأويل ما سبق، لا بإلغاء مساراته، بل باستعادة دلالاته في ضوء الخاتمة حيث لا تعني النهاية انطفاء ما قبلها، بل اكتمال المسار الرسالي واستمرار أثره في الأزمنة اللاحقة.
وهنا تتكثف دلالة الجذوة : ما يحفظ النور من الانطفاء، ويجعل الختام بدايةً لامتداد. ولعل السر لا يكمن في أن الأرض تحمل ما يتجاوزها بل في قدرتها على إيواء التوتر بين المحدود وما لا يستنفده فالصحراء في اتساعها الصامت لا تمنح الغيب صورةً جاهزة، إنها تترك للمادة كثافتها، ولا لرمز انفتاحه، وللوعي عتبةً لا يعبرها بالقياس وحده. عندها لا يعود التراب نقيضاً للامتناهي، بل الموضع الذي يُستدعى فيه ما لا تسعه حدوده.
تبوك ليست مطلع هذا التصور فحسب، بل العتبة التي انفتح منها السؤال على ما يتجاوز الجغرافيا ، فثمة في الأرض ما لا تقوله تضاريسها وفي امتدادها ما لا تستنفده إحداثياتها ، وبين التراب وما يستتر فيه يبقى المكان قابلاً لأن يحمل من الدلالة ما يتجاوز صورته دون أن يفقد مادته أو ينفصل عن حدوده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *