علاج جديد للألم المزمن يعيد تدريب الدماغ على تنظيم المشاعر

قالت البروفيسورة سيلفيا جوستين من جامعة نيو ساوث ويلز: «بتغيير الطريقة التي ندير بها مشاعرنا، من الممكن تغيير تجربة الألم نفسها، وهذا ليس مجرد تخفيف مؤقت بل تحسناً طويل الأمد في جودة الحياة».
وتعتمد الدراسة الجديدة على فكرة تدريب الدماغ على معالجة المشاعر، وقد أظهرت أن هذا المنهج يمكن أن يقلّص حدة الألم المزمن ويحسّن من الحالة النفسية للمصابين به.
يعرف هذا النهج العلاجي باسم “علاج الألم والعاطفة” وطوّره فريقٌ بحثي بقيادة جوستين وزميلتها الدكتورة نيل نورمان-نوت في UNSW وNeuRA.
ويهدف العلاج إلى إعادة تدريب الدماغ على تنظيم المشاعر بفعالية أكبر، من خلال تحسين قدرة الفرد على تهدئة العواطف السلبية وتعزيز الإيجابية.
يُقدّم العلاج عبر الإنترنت بالكامل، في شكل ثماني جلسات جماعية أسبوعية يقودها معالج نفسي عبر الفيديو، إضافة إلى استخدام تطبيق هاتف ذكي وكتيب تعليمي للتعلم الذاتي.
وقد صُمّم ليكون متاحاً للمرضى الذين يواجهون صعوبات في التنقل أو يعيشون في مناطق نائية. أُجريت التجربة بين مارس 2023 وسبتمبر 2024، وشارك فيها 89 شخصاً يعانون من ألم مزمن.
تراوحت أعمار المشاركين بين 26 و77 عاماً، 80% منهم من النساء، وقُسّموا إلى مجموعتين متساويتين؛ تلقت الأولى علاج “الألم والعاطفة” الإلكتروني بينما استمرت الثانية في العلاج المعتاد.
وخضع جميع المشاركين لتقييم دوريّ باستخدام استبيانات قياسية في بداية الدراسة، وبعد انتهاء ثمانية أسابيع من الجلسات، ثم بعد متابعة استمرت ستة أشهر.
أظهرت النتائج النهائية أن المرضى الذين تلقوا علاج “الألم والعاطفة” سجلوا انخفاضاً ملحوظاً في شدة الألم، بمتوسط يعادل حوالي عشر نقاط من أصل مئة على مقياس شدّة الألم، وهو انخفاض يُعتبره الباحثون فرقاً إكلينيكياً ملموساً؛ ففي اللغة الطبية يعادل ذلك نحو 1.3 نقطة من أصل 10.
كما لاحظ المرضى في هذه المجموعة تحسناً كبيراً في قدرتهم على تنظيم مشاعرهم، وانخفاضاً في معدلات الاكتئاب والقلق، وتحسناً في النوم ودرجة الرفاهية العامة مقارنة بالمجموعة التي تلقت العلاج الاعتيادي.
ووصفت جوستين هذا التحسن بأنه «يُحدث فرقاً ملحوظاً في الحياة اليومية» للمصابين.
ويقول الخبراء إن هذه النتائج تشير إلى تحسن طويل الأمد في جودة حياة المرضى وليس مجرد تخفيف مؤقت للألم.
يختلف هذا النهج عن الطرق التقليدية في علاج الألم المزمن، إذ يركّز على الجانب النفسي بدلاً من الاعتماد على المسكّنات المادية.
وتشير نورمان-نوت إلى أن نموذج علاج الألم المزمن قد تحول خلال العقود الأخيرة من التركيز على الجوانب الطبية البحتة إلى نموذج أكثر شمولية.
وتلفت إلى أن الأدوية، خاصة الأفيونية منها، يمكن أن تتسبب في الاعتماد وتفقد فعاليتها بمرور الوقت، مما يجعل من الضروري ابتكار علاجات تكميلية.
ويعلّم علاج “الألم والعاطفة” المرضى تقنيات من نوعية ما يعرف بالعلاج السلوكي الجدلي (DBT) مثل اليقظة الذهنية والتنفس العميق ومهارات التعبير عن العواطف وحل الأزمات العاطفية.
وبهذا يُعلّم المرضى كيف يواجهون مشاعرهم بدلاً من قمعها، مما يؤدّي إلى تقليل فرط نشاط الجهاز العصبي المرتبط بالألم المزمن.
ويصف أحد علماء NeuRA، الدكتور نيهان شودري، نتائج الدراسة بأنها تؤكد أن “تدريب ضبط العواطف يمكن أن يقدم المزيد” مقارنة بالعلاجات التقليدية.
وخلص قادة البحث إلى أن العلاج الجديد «يحسّن بشكل كبير فهمنا للألم المزمن، ويبيّن أهمية علاج الجسم والعاطفة معاً».
ويعمل الفريق البحثي حالياً على المرحلة التالية من الدراسة، إذ حصل على تمويل من صندوق البحوث الطبية المستقبلية الأسترالي (MRFF) لانطلاق تجربة أكبر تضم أكثر من 300 مشارك في عام 2026.
ويدعو الباحثون الآن المهتمين بالتسجيل للمشاركة في هذه التجربة التوسعية، والتي يتوقع أن تعطي نتائجها دليلاً أقوى على فعالية هذا العلاج وفرصاً أوسع لتطبيقه مستقبلاً.









