استشاري هضمي يحذّر: التوتر والتفكير الزائد يربكان «محور الدماغ-الأمعاء»

أكد استشاري الجهاز الهضمي الدكتور عبدالله الذيابي أن الضغوط النفسية والتفكير الزائد المستمر يمكن أن يؤثرا بصورة مباشرة في الجهاز الهضمي، من خلال العلاقة المتبادلة بين الدماغ والأمعاء، المعروفة علمياً باسم «محور الدماغ-الأمعاء».
وأوضح الذيابي أن الأمعاء تحتوي على شبكة عصبية معقدة تضم أكثر من 100 مليون خلية عصبية، ما يعكس ارتباطها الوثيق بالوظائف العصبية والهرمونية في الجسم، مشيراً إلى أن استمرار التعرض للضغط النفسي يحفز إفراز هرمونات التوتر، مثل الكورتيزول والأدرينالين، وهو ما قد يغيّر حركة الأمعاء، سواء بتسارعها أو تباطؤها.
وأضاف أن التوتر قد يزيد أيضاً من حساسية جدار الأمعاء، ما يجعل الشخص يشعر بالانتفاخ أو الألم حتى عند تناول كميات طبيعية من الطعام، إلى جانب تأثيره المحتمل في إفراز الأحماض والإنزيمات الهضمية، وتوازن البكتيريا النافعة، وحركة عضلات الجهاز الهضمي، بما قد يؤدي إلى أعراض مثل الإمساك أو الإسهال واضطرابات هضمية أخرى.
القولون العصبي اضطراب حقيقي وليس مرضاً نفسياً
وشدد استشاري الجهاز الهضمي على أن القولون العصبي اضطراب حقيقي في وظيفة الجهاز الهضمي، وليس مرضاً نفسياً أو أعراضاً متوهمة، موضحاً أنه يظهر عادةً في صورة ألم متكرر في البطن يرتبط بالتبرز، إلى جانب تغير في طبيعة أو عدد مرات التبرز، سواء بالإسهال أو الإمساك أو التناوب بينهما.
وأشار إلى أن بعض الأمراض العضوية، ومنها قرحة المعدة والتهابات الأمعاء ومرض السيلياك وبعض أمراض المرارة والبنكرياس، قد تكون موجودة بشكل مستقل، إلا أن القلق والتوتر قد يزيدان من شدة الأعراض لدى المصابين بها.
وأكد أهمية عدم افتراض أن الأعراض الهضمية ناتجة عن القلق والتوتر فقط قبل إجراء التقييم الطبي المناسب، خصوصاً عند ظهور علامات تستدعي البحث عن أسباب عضوية.
علامات تستوجب التقييم الطبي
وأوضح الذيابي أن ارتباط الأعراض بالحالة النفسية قد يظهر من خلال بدايتها أو زيادة حدتها خلال فترات القلق والضغوط النفسية، ثم تحسنها عند هدوء الشخص أو تغير ظروفه النفسية، إلا أنه شدد على عدم الاعتماد على هذا النمط وحده لتحديد سبب الأعراض.
وحذّر من تجاهل عدد من علامات الخطر، أبرزها فقدان الوزن غير المبرر، ووجود دم في البراز أو نزيف، وفقر الدم، والقيء المستمر، وصعوبة البلع أو الألم المصاحب له، وظهور أعراض جديدة وشديدة خصوصاً بعد سن الخمسين، إضافة إلى وجود تاريخ عائلي لأمراض الجهاز الهضمي، أو أعراض توقظ المريض من النوم.
وبيّن أن وجود هذه العلامات لا يعني بالضرورة الإصابة بمرض خطير، لكنه يستدعي الخضوع للتقييم الطبي، وعدم افتراض أن القلق هو السبب الوحيد.
التقييم الطبي أولاً.. والدعم النفسي عند الحاجة
وأكد استشاري الجهاز الهضمي أن الأعراض الجديدة أو المستمرة أو المتكررة، التي تؤثر في الحياة اليومية، تستدعي مراجعة الطبيب، مشدداً على أنه لا ينبغي إرجاع الأعراض الهضمية إلى التفكير الزائد دون فحص طبي يستبعد الأسباب العضوية.
وأضاف أنه في حال استبعاد الأسباب العضوية وثبوت ارتباط الأعراض بالقلق والتوتر، أو وجود قلق مزمن أو نوبات هلع أو اكتئاب مصاحب، فقد يكون إشراك الطبيب أو الأخصائي النفسي مفيداً، موضحاً أن الجمع بين متابعة الأعراض الجسدية والدعم النفسي قد يكون خياراً مناسباً في كثير من الحالات.
وأشار إلى أن العلاج المعرفي السلوكي قد يساعد بعض المصابين بالقولون العصبي على تخفيف الأعراض، مؤكداً أن الاستفادة من الدعم النفسي لا تعني أن المرض «نفسي»، وإنما تعكس الدور الذي يؤديه محور الدماغ والأمعاء في ظهور الأعراض وشدتها.
نمط حياة يساعد على تهدئة محور الدماغ والأمعاء
وللتقليل من تأثير الضغوط النفسية في الجهاز الهضمي، أوصى الذيابي بتنظيم مواعيد النوم والحصول على قسط كافٍ منه، وممارسة النشاط البدني بانتظام، وتناول الطعام بصورة منتظمة، وتجنب الوجبات الكبيرة قبل النوم.
كما نصح بتقليل الأطعمة التي يلاحظ الشخص أنها تزيد أعراضه، بدلاً من اتباع قوائم غذائية شديدة التقييد دون داعٍ، إلى جانب الحد من الإفراط في تناول الكافيين والمشروبات الغازية لدى من تتفاقم أعراضهم بسببها، والاهتمام بتناول الألياف والسوائل بصورة مناسبة، خصوصاً لدى المصابين بالإمساك.
وأكد أهمية الدعم الاجتماعي والتحدث مع المقربين أو المختص النفسي، إلى جانب تجنب التشخيص الذاتي المستمر عبر الإنترنت، لما قد يسهم فيه من زيادة القلق الصحي.
وفي رسالته لمن يعانون من القلق المستمر وتأثيره في صحتهم الهضمية، قال الدكتور عبدالله الذيابي: «الجسد لا يكذب، وهو غالباً يتكلم بلغة الأعراض حين لا نصغي لضغوطنا النفسية بوعي»، مؤكداً أن التعامل مع مصدر التوتر إلى جانب علاج الأعراض الجسدية يمثل جزءاً مهماً من رحلة التعافي.
وشدد على أن طلب المساعدة المتخصصة، سواء من طبيب الجهاز الهضمي أو المختص النفسي، ليس ضعفاً، بل خطوة نحو التعافي بصورة أكثر استدامة.




