من الخفقان إلى الأرق.. ماذا يحدث لجسمك عند الإفراط في مشروبات الطاقة؟

يلجأ كثيرون، خصوصًا من فئة الشباب، إلى مشروبات الطاقة لمقاومة التعب وزيادة التركيز ومواصلة العمل أو ممارسة الرياضة، اعتقادًا منهم بأنها تمنح الجسم طاقة إضافية تساعده على إنجاز المهام اليومية. لكن هذا الشعور بالنشاط قد يكون مؤقتًا، ولا يعني بالضرورة أن الجسم استعاد حاجته إلى الراحة أو عالج أسباب الإرهاق.
وأوضحت أستاذة مساعدة ومستشارة الصحة والتغذية، الدكتورة ندى الزنيدي، في حديثها لـ«أخبار 24»، أن التأثير المنبّه لمشروبات الطاقة يعود أساسًا إلى الكافيين، الذي يحجب مستقبلات الأدينوسين المرتبطة بالشعور بالنعاس، ما يزيد اليقظة والانتباه ويخفف الإحساس بالتعب لفترة مؤقتة.
نشاط مؤقت لا يعوّض النوم
تختلف الطاقة الغذائية التي يحصل عليها الجسم من السعرات الحرارية عن الشعور باليقظة الناتج عن الكافيين؛ فمشروبات الطاقة قد تحتوي على السكر الذي يضيف سعرات حرارية، كما يمكن للأنواع الخالية من السكر أن تزيد اليقظة بفعل الكافيين.
وبحسب الزنيدي، فإن الشعور بالنشاط بعد تناول هذه المشروبات لا يعني تعويض نقص النوم أو التخلص من أسباب الإرهاق، محذرةً من الاعتماد عليها بصورة يومية لمقاومة التعب، بدلًا من البحث عن أسبابه ومعالجتها.
وأشارت إلى أن تنظيم مواعيد النوم والاستيقاظ، والحصول على قسط كافٍ من النوم، والتعرض لضوء الشمس نهارًا، وممارسة النشاط البدني بانتظام، وتقليل الكافيين قرب موعد النوم، من العادات التي تساعد على تحسين جودة النوم والحد من التعب.
الخفقان والأرق من أبرز الآثار المحتملة
لا يتوقف تأثير مشروبات الطاقة على الشعور الفوري بالنشاط، بل يتأثر بكمية الكافيين المستهلكة وسرعة تناولها وتكرار الاستهلاك خلال اليوم، إضافة إلى توقيت تناولها ومدى حساسية الشخص للكافيين.
وأوضحت الزنيدي أن استهلاك كميات كبيرة من الكافيين خلال فترة قصيرة قد يؤدي إلى الخفقان والرجفة واضطرابات النوم، كما أن الاستخدام المتكرر قد يسبب الاعتياد على الكافيين، فيما تختلف تأثيراته في النوم من شخص إلى آخر.
وقد يغفل المستهلك عن احتساب الكافيين الموجود في القهوة والشاي والمشروبات الغازية والشوكولاتة وبعض المكملات والأدوية، ما يجعل إجمالي استهلاكه اليومي أعلى مما يتوقع.
ما الحد اليومي للكافيين؟
تشير الهيئة الأوروبية لسلامة الغذاء إلى أن استهلاك ما يصل إلى 400 ملغ من الكافيين يوميًا، موزعة على اليوم، لا يثير عادةً مخاوف تتعلق بالسلامة لدى معظم البالغين الأصحاء، فيما تبلغ الجرعة المفردة المرجعية 200 ملغ.
أما خلال الحمل، فينبغي ألا يتجاوز إجمالي استهلاك الكافيين 200 ملغ يوميًا، وفق الإرشادات المشار إليها في التقرير. وتؤكد الزنيدي أن هذه الحدود مرجعية وليست هدفًا للاستهلاك، إذ تختلف الاستجابة للكافيين باختلاف العمر والوزن والحالة الصحية والأدوية المستخدمة والحساسية الفردية.
ونصحت بالاطلاع على الملصق الغذائي للمنتج لمعرفة كمية الكافيين، واحتسابها مع بقية المصادر التي يستهلكها الشخص خلال اليوم، مع إمكانية الاستفادة من حاسبة الكافيين المتاحة على موقع الهيئة العامة للغذاء والدواء.
فئات تستدعي مزيدًا من الحذر
تختلف استجابة الجسم للكافيين من شخص إلى آخر؛ فقد تظهر أعراض الخفقان أو القلق أو الأرق لدى بعض الأشخاص بعد استهلاك كميات أقل من تلك التي يتحملها آخرون.
وتزداد أهمية الحذر لدى الأشخاص الذين يعانون أمراض القلب أو اضطرابات نظم ضرباته، والحوامل والمرضعات، والأشخاص الأكثر حساسية للكافيين، فضلًا عن الأطفال والمراهقين الذين قد يتأثر نومهم ومعدل ضربات القلب لديهم.
كما تتضمن التحذيرات السعودية على عبوات مشروبات الطاقة عدم تناولها لمن هم دون 16 عامًا، والحوامل والمرضعات، والأشخاص الذين يعانون مشكلات في القلب أو حساسية للكافيين، والرياضيين أثناء ممارسة الرياضة.
وأكدت الزنيدي أن الحد المرجعي للكافيين لدى الأطفال والمراهقين، الوارد في بعض الإرشادات، لا يُعد توصية بتناول مشروبات الطاقة، مشيرةً إلى أن تجنب هذه المشروبات هو الخيار الأحوط لهذه الفئة.
متى تستدعي الأعراض التدخل الطبي؟
قد يؤدي الإفراط في الكافيين إلى تسارع ضربات القلب والخفقان والرجفة والقلق والأرق واضطرابات المعدة والغثيان والصداع، فيما قد تتسبب الجرعات الكبيرة جدًا في مضاعفات خطرة، منها اضطرابات نظم القلب والتشنجات.
وشددت الزنيدي على ضرورة طلب المساعدة الطبية العاجلة عند ظهور أعراض شديدة، مثل ألم الصدر أو الإغماء أو ضيق التنفس أو التشنجات أو الخفقان الشديد المستمر.
وفيما يتعلق بالتقارير التي ربطت مشروبات الطاقة بمضاعفات قلبية خطيرة، أشارت إلى دراسة تناولت 144 شخصًا نجوا من توقف القلب المفاجئ، وكان لدى سبعة منهم تاريخ لاستهلاك مشروبات الطاقة قبل الحدث بفترة قريبة، مع وجود أمراض قلبية وراثية لديهم.
ولا تثبت هذه النتائج أن مشروبات الطاقة تسببت في توقف القلب، لكنها تسلط الضوء على أهمية الحذر لدى الأشخاص الذين يعانون أمراضًا قلبية أو لديهم قابلية وراثية لاضطرابات القلب.
هل تختلف مشروبات الطاقة عن القهوة؟
تحتوي القهوة ومشروبات الطاقة على الكافيين، لكنهما قد تختلفان في كمية الكافيين وحجم الحصة والمكونات الأخرى، مثل السكر وبعض المواد المضافة.
وأشارت الزنيدي إلى تجربة عشوائية صغيرة شملت 18 بالغًا سليمًا، رُصدت خلالها اختلافات في بعض مؤشرات تخطيط القلب وضغط الدم بعد تناول 946 مل من مشروب طاقة يحتوي على 320 ملغ من الكافيين، مقارنة بتناول جرعة مماثلة من الكافيين وحده.
ومع ذلك، لا تعني هذه النتائج أن جميع مشروبات الطاقة لها التأثير نفسه، إذ تظل هناك حاجة إلى دراسات أكبر لفهم تأثير مكوناتها المختلفة.
وحذرت الزنيدي من اعتبار مشروبات الطاقة بديلًا عن الماء أو وسيلة لتعويض السوائل أثناء الرياضة، كما دعت إلى تجنب الجمع بينها وبين مكملات ما قبل التمرين التي تحتوي على الكافيين، مع مراعاة الحالة الصحية والجرعات المستهلكة.
كيف تقلل استهلاك مشروبات الطاقة؟
نصحت الزنيدي الأشخاص الذين اعتادوا تناول مشروبات الطاقة يوميًا بخفض استهلاك الكافيين تدريجيًا، لتقليل احتمال ظهور أعراض الانسحاب، مثل الصداع والتعب والقلق.
وتشمل الخطوات العملية تسجيل مصادر الكافيين اليومية، وتقليل الكميات تدريجيًا، واستبدال بعض المشروبات بخيارات خالية من الكافيين، وتجنب تعويض مشروبات الطاقة بزيادة استهلاك القهوة، إلى جانب تحسين عادات النوم والبحث عن الأسباب المحتملة للإرهاق المستمر.
وأوضحت أن الاشتراطات السعودية تحدد الحد الأعلى لمحتوى الكافيين في مشروبات الطاقة عند 32 ملغ لكل 100 مل، وتلزم المصنّعين والمستوردين بمتطلبات تتعلق بالمنتجات ومكوناتها والتحذيرات المدونة على العبوات.
واختتمت الزنيدي بالتأكيد على أن الشعور بالنشاط بعد تناول مشروب الطاقة لا يعني بالضرورة أن الجسم استعاد طاقته أو عالج أسباب التعب، كما أن غياب الأعراض الفورية لا يكفي وحده للحكم على سلامة الاستهلاك؛ ما يجعل الاعتدال والانتباه إلى كمية الكافيين والنوم الكافي من أهم العوامل للحفاظ على الصحة.









