رجالُ الأمن.. سُورُ الوطنِ وسَندُ الحجيج في موسمِ العتقِ الأكبر

هُنا.. في البقاعِ الطاهرةِ التي اختارها اللهُ مهوًى للأفئدة، ومسرحًا للركوعِ والسجود..

هنا حيثُ تجتمعُ الدنيا في صعيدٍ واحدٍ، وتذوبُ الألوانُ والألسنُ تحت رايةِ التوحيد..

هناك رجالٌ لا يُعرفون بأسمائهم.. بل تُعرفُ أفعالُهم.. رجالُ الأمنِ في المملكةِ العربيةِ السعودية.. سُورُ الوطنِ العظيم، وسَندُ الحجيجِ الكريم. كلّما حلَّ موسمُ الحجِّ، وقفَ العالمُ مشدوهًا أمام هذا المشهدِ الإنساني الفريد.. ملايينُ البشرِ يتحرّكونَ كقلبٍ واحدٍ.. في زمانٍ محدودٍ ومكانٍ محدود.. ولولا فضلُ الله، ثم ما وهبَ هذه البلاد من رجالٍ يُتقنونَ صناعةَ الأمانِ كما يُتقنُ العابدُ صلاته، لما اكتمل هذا المشهدُ بالسكينةِ والطمأنينة. هؤلاءِ الرجال، ليسوا مجرّدَ حُرّاسِ أمنٍ في مفهومهِ التقليدي..

إنهم في الحجّ جنودُ الإنسانية.. فُرسانُ الرحمة.. وأبناءُ الحرمين. انظر إليهم في عرفات.. حيث الشمسُ تَلفحُ الجباهَ، والجموعُ متدفّقةٌ بلا انقطاع.. ترى الجنديَّ الشابَّ يُمسكُ بيدِ حاجٍّ عجوزٍ أعياهُ المسير.. يُظِلّه بقبّعتِه.. ويُوصله إلى خيمته.. ثم تراهُ بعد لحظاتٍ يحملُ طفلًا تاهَ عن أبويه وسط الزحام.. يُهدّئُ روعَه، ويُعيدُ البسمةَ إلى وجهِه. في مشعرِ مزدلفة.. حيث تبيتُ القلوبُ على الأملِ والرجاء..

تجدُ الجندَ وهم يُقدّمون الماءَ للحجيجِ العطاش.. ويُوزّعون البطّانياتِ على الضعفاءِ في بردِ الليل.. كلّ ذلك دون صخبٍ ولا ضجيج.. بل في صمتِ المخلصِ الذي يرجو ثوابَ السماء. وفي منى.. قلبِ شعيرةِ الرمي.. حيث يشتدُّ الزحامُ وتتصاعدُ الأصوات..

يقفُ رجالُ الأمنِ كجُدُرٍ صامدة.. يُوجّهون، يُنظّمون، يُفسحونَ الطريقَ للطوارئ..

ولطالما رأينا الصورَ التي تُلهبُ القلوب:

رجلُ أمنٍ يحملُ حاجّةً مسنّةً على كرسيّ متحرّكٍ بين الجموع.. آخرُ يُنعشُ حاجًّا أصابهُ الإعياء..وثالثٌ يحتضنُ طفلًا باكيًا ضائعًا، يُعيدُه إلى والديه. وفي خضمِّ هذه الملحمةِ الأمنيةِ الرحيمة..

يُسمعُ صدى عبارةٍ جزلةٍ قالها أحدُ قادتهم فأصبحت شعارًا وعقيدةً في هذا الميدان العظيم:

«الحاجُّ في قلوبِنا.. والمخالفُ في قبضتِنا».

يا لها من كلمةٍ جمعت بين حنانِ الخدمةِ وحزمِ الحماية.. بين رحمةِ القلوبِ وسطوةِ القانون.

هي الكلمةُ التي رُسمت بها معالمُ الخطةِ الأمنية.. أن تكونَ يدُ الجنديِّ باسمةً للحاج، غليظةً على العابث، يقظةً على المندسِّ..

فما أجملَ أن يرى الحاجُّ أمامه رجلَ أمنٍ يخدمهُ كأخٍ كريم، وما أعظمَ أن يرى العابثُ المخالفُ أن خلفَ هذا الوجهِ الباسمِ قبضةً حازمةً لا تتهاونُ مع مَن يمسُّ أمنَ الحجيجِ أو يُفسدُ صفوَ المناسك. بل إنّ دورَهم يتجاوزُ الخدمةَ المباشرة.. فهم العيونُ التي ترصدُ، والعقولُ التي تُديرُ، والنُفوسُ التي تملكُ الحِكمةَ في التعاملِ مع هذا الحشدِ الهائل.

أن تُديرَ أمنَ ملايين البشرِ في أيامٍ معدوداتٍ، هو من أعقدِ التحدياتِ الأمنيةِ في العالم.

وقد نجحَ رجالُ أمنِنا عامًا بعد عامٍ في تحقيقِ هذا الإنجازِ المذهل، حتى غدت المملكةُ نموذجًا يُحتذى في إدارةِ الحشودِ الضخمة. ثم تأمّل.. غم كلّ هذا الضغطِ الهائل، ورغم ساعاتِ العملِ المتواصلة، تجدُ الابتسامةَ لا تفارقُ محيّاهم.. تجدُ الأخلاقَ الرفيعةَ في كلّ موقف.. تجدُ الإيثارَ في كلّ تصرّف. هذا هو الجنديُّ السعوديُّ في الحج..يحملُ السلاحَ ليحمي.. ويحملُ القلبَ ليَحنو..

هو الحارسُ.. وهو الراعي.. وهو الخادمُ.. وهو المُعينُ. وها نحنُ اليوم، مع ختامِ هذا الموسمِ العظيم، وقد عادَ الحجيجُ إلى ديارِهم آمنين شاكرين..

فإنّا نقفُ وقفةَ وفاءٍ وإجلالٍ أمام أولئك الرجال:
جزاكم اللهُ عن دينِه خيرَ الجزاء.. ورفعَ ذكركم في عِلّيّين.. وكتبَ ما قدّمتم في صحائفِ المجدِ والنقاء. لقد كنتم يا رجالَ الأمن أمناءَ الأمانةِ، وحُماةَ الحرمينِ، وسُورَ الوطنِ الباذخِ في ساحاتِ الطهرِ والقداسة.

وإنّا في هذا المقامِ البهيّ نرفع أكفَّ الدعاءِ والشكرِ لخادمِ الحرمينِ الشريفين، الملكِ سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولسموِّ وليِّ عهدهِ الأمين، الأميرِ محمد بن سلمان بن عبد العزيز،
الذين ما فتئوا يُرعونَ هذا الركنَ العظيمَ من أركانِ الدين، ويُسخّرونَ الإمكاناتِ الجبّارة، ويوجِّهونَ بتقديمِ أرقى صورِ الرعايةِ والأمنِ لحُجّاجِ بيتِ اللهِ الحرام. هنيئًا لكم — يا رجالَ الأمن — هذا الشرفَ العظيم.. وهنيئًا للوطنِ بكم.. وهنيئًا للقيادةِ بحنكتِها ورُؤيتها التي صنعت هذه الملحمة. وسيبقى التاريخُ يذكُرُ أنّ في مواسمِ العتقِ الأكبر، كان في هذه البلادِ رجالٌ يستحقُّون أن يُقالَ عنهم: “هُمُ السُّهْمُ إذا جدَّ الرمي.. وهُمُ السَّندُ إذا ضاقَ الأمر.. وهُمُ الرحمةُ إذا رقَّ القلب.” فللَّهِ درُّكم.. يا رجالَ الأمنِ.. وسلامٌ عليكم، ما دامَ في هذا الوطنِ رجالٌ مثلكم، وقيادةٌ شامخةٌ تُعلي الراية، وترعى الرسالة.

وكتبه/فائز بن سلمان الحمدي


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *