في خضمّ هذا الضجيج الكونيّ الذي يطحن الأرواح طحنًا، وفي زحام الأحوال المتصارعة، حيث يلهث الناس خلف أحلامٍ قد تكون لهم، أو مجرّد سرابٍ يتراءى في عيونهم، يلوح سؤالٌ عظيم في بساطته، رهيبٌ في عمقه:
ما أثرُ وجودك في حياة من حولك؟
ليست دعوةً إلى المجد، ولا نداءً إلى العظمة، بل همسةٌ خفيّة تنبعث من أنين الأرواح المنسيّة، من صدورٍ أضناها التوق، وأوجعها الغياب. أرواحٌ لم تعد تطلب الكثير… سوى أن يمرّ بجوارها بشرٌ، لا حجارة. في هذا العالم، لسنا كلّنا مطالبين بأن نكون قادةً تهتف بأسمائنا الجموع، ولا أن نُسجَّل في دفاتر التاريخ. يكفينا، ويكفينا جدًا، أن نترك في دروب العابرين طيفَ سكينة، أو ظلَّ دفء، أو لمسةً تُقال بلا صوت: “أنا هنا… لأجلك.”
فيا أيها الساعي في دروب الحياة، تذكّر: بين الأزقة أمٌّ تُخفي تعبها بابتسامة،
ومعلّمٌ يُنفق من روحه ليُشعل العقول،
وطبيبٌ أنهكه السهر بين أروقة الأنين،
وجنديٌّ يسهر على تخوم الوطن، يقتات على الشوق ويكتم الرجاء، وفقيرٌ لا يطلب صدقةً بل نظرةَ احترام، ويتيمٌ لا يسأل رزقًا بل حضنَ طمأنينة، وموظفٌ ذابت أحلامه بين جدران الصمت، وعابرٌ لا تعرفه، لكنه يوشك أن يغرق في صخبٍ لا يسمع فيه أحدٌ أنينه. هؤلاء لا يطلبون معجزة، بل يبحثون عن حضورٍ صادق، عن يدٍ تمسح التعب، عن ظلٍّ يقيهم وهج الغياب. أفلا يسعنا، إن عجزنا عن أن نكون شموسًا تشرق، أن نكون غيماتٍ تمطر حنانًا؟
أو ممحاةً رقيقةً تمحو عن الأرواح غبار الكدر؟
كم من يتيمٍ يحبو على جمر الحياة باحثًا عن قلبٍ يُشبه حضن أمّه، وكم من فقيرٍ يُحارب جوعه بالكرامة، وكم من موظفٍ أكلته الساعات ولم يأكل معها سوى الصمت، وعجوزٍ يقف على قارعة الزمن، لا يطلب جوابًا، بل قلبًا يُصغي!
هؤلاء لا يحمّلونك أوزارهم، بل فقط يرجون ألا تضع فوقها حجرًا جديدًا. أليس في مقدورك، إن لم تستطع أن تُسعد، أن تُسكت الوجع؟
وإن لم تقدر أن تكون شمعةً، ألّا تكون ريحًا؟
ما أضعفها من يدٍ لا تسعف، ولا تكفّ عن الجلد!
انظر حولك… كم من القلوب جفّ فيها الحبر، وتنتظر فقط من يمدّ لها مداد الأمل.
رُبَّ لحظةٍ تصمت فيها إلى جانب أحدهم، تُوازي في ميزان الرحمة سنين من الكلام.
وربَّ ابتسامةٍ عابرة، تسقي بها قلبًا مقفرًا، تبقى حيّةً في ذاكرته ما دام فيه نفسٌ يتردّد.
الحياة ليست منصّةً نتصدّرها، بل ركنُ رحمةٍ نُختبر فيه بمدى خفّة ظلّنا على أكتاف الآخرين.
فما قيمة المرء إن سار بثيابه اللامعة في عُرس، بينما خلفه من ينزف من وخز إهماله؟
وما وزن المجد إن بُني على جراح من أُهملوا في طريقه؟. لسنا نُعاب إن لم نكن أبطالًا، لكننا نُلام حين نكون عبئًا، حين نكون الصدى الموجع بدل أن نكون النداء الحنون. إن لم تقدر أن تزرع وردًا، فكن سقيا، لا شوكًا.
وإن لم تهدِ غيرك، فحسبك ألّا تضلّلهم. تأمّل رسول الله ﷺ…في رقّته، في دقّته حين يواسي، في عنايته بالقلوب قبل الأجساد.
ما جلس مهمومٌ بين يديه إلا استراح،
وما رآه منكسرٌ إلا شعر أن في هذا العالم متّسعًا له. كان إذا دخل القلب، دخله كعطرٍ… لا يُرى، لكن يُنعش. ذاك هو الأثر الذي لا يُنسى،
حين يصبح الوجودُ بحد ذاته شفاءً. وفي النهاية…لا تُنكر ذاتك إن لم تصنع ضجيجًا،
فربّ همسةٍ أحيَت نفسًا، وربّ لحظة حضورٍ أنقذت عمرًا بأكمله. اترك أثرًا… لا يشترط أن يُدوّن، بل يكفي أن يُحسّ.

اترك تعليقاً