على مدى نصف قرن، شهدت منطقة تبوك نهضة عمرانية وتجارية متسارعة جعلتها في طليعة المناطق الناهضة في شمال المملكة، حيث تعاقب على رئاسة بلديتها عدد من الكفاءات الوطنية التي ساهمت في دفع عجلة التنمية، حتى تحولت الأمانة اليوم إلى مؤسسة أكثر تنظيماً وفعالية، تُدار بعقلية حديثة تستند إلى التخطيط الاستراتيجي والمشروعات الاستثمارية الواسعة.
ولعل من أبرز وجوه هذه المرحلة الحديثة سعادة أمين منطقة تبوك المهندس حسام اليوسف، الذي أثبت حضوره من خلال نهج عمل مختلف، اتسم بالحيوية والانفتاح على النقد البنّاء، حيث لا يتوانى في متابعة الملاحظات اليومية، مهما بدت صغيرة، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن التطوير لا يتم دون مراجعة ومصارحة. وقد حققت الأمانة خلال النصف الأول من هذا العام نسبة رضا تجاوزت 92% بحسب تقارير مركز البلاغات، وهو رقم جدير بالتقدير.
لكن، وكما أن لكل تجربة إنجازاتها، فإن بعض القرارات الأخيرة تستحق التوقف والتأمل. فقد فوجئ أهالي الأحياء الجنوبية، لاسيما أحياء الشيخ رحيل، وأبو سبعة، والرويعيات، خلال الأيام الماضية، بإغلاق عشرات المحال التجارية في نطاقهم السكني، وصل عددها إلى نحو مئة محل، بعضها قائم منذ عقود، ويمارس أنشطة خدمية أساسية مثل التموينات، والمخابز، والمطاعم، ومحال بيع الخضار.
المفارقة المؤلمة أن الإغلاق جاء – بحسب ما نُقل عن أصحاب هذه المحال – بحجة عدم وجود رخص بناء، رغم أن أغلب هذه المنشآت تعمل برخص تجارية مجددة صادرة من الأمانة، وبعضها يقع ضمن صكوك شاملة ولا يشوبه أي نزاع نظامي. بل إن بعض المباني التي تضم هذه المحال سبق أن كانت مؤجرة لجهات حكومية، وهو ما يؤكد سلامة وضعها التنظيمي.
ونحن إذ نثمّن حرص الأمانة على تنظيم الأنشطة ومعالجة المخالفات، لا بد أن نميز بين الأنشطة الصناعية المُزعجة مثل الحدادة والمناجر والسكراب – التي يتفق الجميع على ضرورة نقلها بعيداً عن النطاقات السكنية – وبين المحال الصغيرة التي تلبي احتياجات يومية للسكان، خاصة لكبار السن والعائلات ذات الدخل المحدود.
ما يبعث على القلق أن هذه الخطوة ربما تترك أثراً اجتماعياً واقتصادياً على عدد من الأسر التي تعتمد على دخل هذه المحال، سواء من أصحابها أو من الشباب السعوديين العاملين فيها، كما قد تخلق فجوة خدمية في تلك الأحياء التي تفتقر لمرافق بديلة قريبة.
إننا نثق أن سعادة الأمين، بما عُرف عنه من حرص وتفاعل إنساني، لن يدّخر جهداً في مراجعة هذا الملف، والبحث عن حلول عاجلة تنظم السوق دون الإضرار بالمستفيدين، كمنح مهلة تصحيح للأوضاع، أو دراسة استثناءات خاصة ضمن الإطار النظامي.
ختاماً، فإن الأمانة كانت وستظل شريكاً رئيسياً في نهضة المنطقة، ونقدنا ليس إلا انعكاساً لثقة المواطنين فيها، وتعبيراً عن تطلعاتهم لمزيد من التوازن بين التنظيم والتنمية المجتمعية

اترك تعليقاً