حين ينفلق فجر العيد لا يشرق ضياؤه على المدن وحدها بل ينساب في شغاف القلوب فيوقظ فيها معاني الامتنان التي أضناها الركض في زحام الأيام ويرتفع التكبير لا رجع أصوات تتردد بل خفقات أرواح فاضت بعظمة المنعم واستحضرت نعمة لو غابت لا انثلم الفرح وحده بل انصدعت الحياة من أصولها نعمة الأمن فالعيد في جوهره ليس ومضة سرور عابرة ولا طلاء زمن يتزين بالمظاهر بل هو مرآة جلية تعكس هيئة الأوطان وتكشف ما استكن في سرائرها من سكينة أو ما اضطرب في أعماقها من فزع وهنا ينكشف المستور ويتجلى الفرق الفاصل ففي آفاق غير بعيدة في محيط هذا الخليج يجيء العيد متعثرا يخطو فوق صدى الصواريخ ويعبر سماء تتقاسمها الإنذارات ولفائف الدخان هناك لا يوزن الفرح بتمام حضوره بل بمقدار ما غاب الخطر ولا يعلو التكبير صافيا بل يشوبه وجيب القلق كأن القلوب تستأذن الخوف قبل أن تبتهج
وهنا ترتعد البصائر أي بون شاسع بين عيد يستقبل على وقع الانفجارات وعيد يستفتح بنداء الله أكبر في سكينة راسخة لا تعكرها نائبة
في هذه الأرض المباركة المملكة العربية السعودية لا يستأذن العيد للدخول بل يلج واثقا مطمئنا فيلقى وطنا أسبغ الله عليه نعما ظاهرة وباطنة وألبسه جلال السكينة التي تدرك ولا ترى نستيقظ لا على هاجس يروع الأنفاس ولا على إنذار يشق سكون الصباح بل على أذان يصدح وصلاة تقام ووجوه يشرق فيها الأمن قبل أن تتوشح بالبشر نخرج إلى المصليات في وقار آمنين ونجتمع على التهاني في ألفة ونسير في يومنا كأن الزمن قد لان وانقاد لا يعترضه خوف ولا يثقله ترقب
لكن هذه السكينة ليست طارئة ولا وليدة مصادفة بل وراءها سيرة مجد وسهر لا ينقطع رجال آثروا أن يكونوا حرسا للعيد لا ضيوفا عليه يسهرون لتنام المدن ويثبتون لتطمئن البيوت ويقفون في الثغور حيث لا تصل الأضواء يذودون عن السماء قبل أن تدنو منها المقذوفات ويكسرون حد السهام قبل أن تمس قلوب الآمنين ومن وراء ذلك تتجلى بصيرة قيادة جعلت صيانة الوطن عهدا لا ينقض وحفظ مكتسباته نهجا لا يحيد فأدركت أن السيادة ليست لفظا يردد بل حصن يبنى وحدود تصان وهيبة تحفظ بالفعل قبل المقال فكانت الأرض بعون الله حرزا حصينا والسماء سياجا مصونا والكيان عزيزا لا تمتد إليه يد باغ إلا انكسرت ولا تنفذ إليه مكيدة إلا خابت واندحرت فكم من صاروخ أطلق فخمد قبل أن يبلغ وكم من كيد أحكم فارتد على أصحابه وكم من خطر دنا فرد خاسئا وهو حسير
وهنا يكتمل الإدراك ويستبين اليقين ليس الأمن أن يغيب صوت الخطر فحسب بل أن يدفع قبل أن يسمع وليس الفرح أن تبتسم الوجوه بل أن تبتسم وهي في كنف الطمأنينة
فيا من يستقبل العيد مطمئنا لا تغتر بألفة النعمة ولا تمر عليها مر الغافلين فإن أخوف ما على النعم أن تأنس بها النفوس حتى تنساها وأن تراها العيون فلا تستشعرها القلوب فإذا أقبل العيد فاجعله موسم يقظة قبل أن يكون مظاهر ولحظة عهد مع الشكر قبل أن يكون فسحة عابرة. الحمد لله على عيد نلقاه آمنين والحمد لله على وطن إذا اضطربت من حوله الأرجاء ازداد ثباتا وإذا تعالت فيه أصوات التهديد بقي فيه صوت الأذان أعلى والحمد لله على نعم إذا استحضرت خضعت لها القلوب شكرا قبل أن تنطق بها الألسن اللهم أدم علينا نعمة الأمن والإيمان وأتمم علينا فضلك والإحسان واحفظ بلادنا من كل سوء واجعل أعيادها أفراحا متتابعة لا يكدر صفوها خوف ولا يعكر بهجتها تهديد وسائر بلاد المسلمين
كتبه/فائز بن سلمان الحمدي
حكاية وطن يفرح مطمئنا
::
في مقالات

اترك تعليقاً