﴿كَلّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطغى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾
تكشف هذه الآية حقيقة خطيرة في النفس البشرية؛ أن الإنسان إذا رأى نفسه مستغنيًا، بدأ بالطغيان.
والطغيان يبدأ أولًا مع الله سبحانه وتعالى.
حين يضعف تعلق الإنسان بربه، ويغفل عن نعمه، ويتعامل مع ما بين يديه وكأنه جاء بقوته وحده، فينسى ضعفه، وينسى أن كل ما يملكه قد يتبدل في لحظة، وأنه مهما بلغ يبقى عبدًا ضعيفًا أمام قدرة الله.
ومع هذا الشعور، يتغير الإنسان من الداخل.
يرى نفسه أكبر من النصيحة، وأعلى من التذكير، فيقوده ذلك شيئًا فشيئًا إلى القسوة والاستعلاء والبعد.
ثم لا يقف الطغيان عند علاقته بالله فقط، بل يمتد إلى الناس أيضًا.
فيبدأ بالابتعاد عنهم بهدوء.
يؤجل زيارة قريب، ويتأخر في الرد على صديق، ويعتذر عن المجالس العائلية لأن وقته «لم يعد يتسع».
ومع الأيام، تتحول العلاقات إلى أشياء مؤجلة، ثم إلى أمور لا يراها مهمة أصلًا.
لا خصام، ولا مشكلة واضحة، فقط شعور داخلي يقول له:
«لم أعد بحاجة إلى أحد».
وهنا يبدأ الإنسان بخسارة نفسه دون أن يشعر.
أعرف رجلاً، كلما تغيرت حياته ابتعد أكثر.
كان في بداياته قريبًا من الجميع؛ يحضر المناسبات، ويسأل عن الناس، ويقف معهم في تفاصيلهم الصغيرة قبل الكبيرة.
لكن شيئًا داخله تغير.
لا أحد يعرف متى حدث ذلك تمامًا، لكن الجميع شعروا أنه لم يعد كما كان.
قلت زياراته، وبردت اتصالاته، وتأخرت ردوده، وأصبحت علاقاته مع من حوله مجرد أسماء بعيدة لا يفكر فيها.
لم يخاصم أحدًا، لكنه رأى نفسه مستغنيًا.
حتى جاءت لحظة واحدة هدمت هذا الوهم كله.
أصابه مرض مفاجئ.
وفجأة، عاد الرجل الذي عاش سنوات مبتعدًا عن الله، وعن كل من يقرّبه إلى الله، يرفع يديه إلى السماء من جديد.
عاد يشعر بضعفه، وخوفه، وحاجته، بعدما كان يظن أن الحياة مستقرة بين يديه.
لكن اللحظة التي كسرت غروره فعلًا، كانت حين أدرك أن علاجه، بعد الله سبحانه وتعالى، متعلق بسبب يملكه إنسان آخر.
هنا فقط سقط وهم «الاستغناء».
فالرجل الذي ظن طويلًا أنه لا يحتاج إلى أحد، وجد نفسه محتاجًا إلى الله أولًا، ثم إلى شخص آخر قد يجعله الله سببًا في نجاته.
وفي تلك اللحظة بدا كل شيء مختلفًا.
العالم الذي عاش داخله سنوات وهو يبتعد عن الناس، ظهر فجأة عالمًا باردًا وصامتًا.
حتى العلاقات الزائفة التي جاءت في فترة «الاستغناء» اختفت بهدوء؛ لأنها بُنيت على المصلحة لا على المحبة.
ولم يبقَ إلا القليل؛ أشخاص لم ينسوه رغم ابتعاده، وقلوب صادقة بقيت معه رغم المسافات التي صنعها بنفسه.
وهنا يظهر المعنى العميق للآية:
أن الإنسان حين يرى نفسه مستغنيًا، يبدأ بالطغيان، وأول ما يخسره في طريق هذا الطغيان: قربه من الله، ثم قربه من الناس الذين كان ينبغي ألّا يبتعد عنهم يومًا.
فالإنسان لا ينكسر حين يمرض فقط، بل حين يكتشف متأخرًا أنه أمضى عمره يبتعد عمّن كان يحتاجهم فعلًا.
وما بين «أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى»… و«يا رب»، تعيش النفس البشرية أطول أوهامها.

اترك تعليقاً