في الحادي والعشرين من ذي الحجة سنة 1407هـ، صدر الأمر الملكي الكريم بتعيين صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن سلطان بن عبدالعزيز آل سعود أميرًا لمنطقة تبوك. ولم يكن ذلك القرار مجرد انتقال مسؤولية من يدٍ إلى يد، بل كان ابتداءَ فصلٍ من فصول البناء الوطني، شاء الله أن يمتد أربعين عامًا متصلة من العمل والعطاء والرعاية. وأعجب ما في بعض الرجال أنهم إذا طال بهم المقام في مواقع المسؤولية، لم يطل بهم المقام في ذاكرة الناس إلا بقدر ما قدموا. أما الأمير فهد بن سلطان فقد اجتمع له الأمران؛ فطال مقامه في المسؤولية، وطال مقامه في القلوب، لأن الأيام شهدت له بما لا تصنعه المناصب ولا تمنحه الألقاب؛ شهدت له بصدق الخدمة، وحسن الرعاية، وثبات الإخلاص. لقد تعاقبت على تبوك أجيال، وتبدلت ملامح العمران، واتسعت الطرق، وارتفعت الجامعات والمستشفيات والمشروعات، غير أن ما بقي ثابتًا في ذاكرة أهلها هو ذلك الشعور العميق بأن لهذه المنطقة قائدًا لم ينظر إليها بوصفها نطاقًا إداريًا يديره، بل بيتًا كبيرًا يرعاه، وأسرةً واسعةً يحمل همومها كما يحمل الإنسان هموم أهله وأبنائه.
ولم تكن الأعوام الأربعون التي مضت أعوامًا تُعد في التقويم، وإنما كانت صفحات تُكتب في سجل الأرض والإنسان. فما أقبلت سنة منها إلا وتركت في تبوك أثرًا من بناء، ولا انصرفت إلا وقد أضافت إلى وجهها معلمًا من معالم النهضة. فامتدت الطرق في أرجائها امتداد العروق في الجسد الحي، تصل أطرافها وتجمع متباعدها، وقامت المدارس ثم الجامعات مناراتٍ تهدي العقول إلى آفاق العلم، وتفتح للأجيال أبواب المستقبل. وتعاظمت مرافق الصحة حتى غدت شاهدًا على عناية جعلت الإنسان أول الغايات وآخرها. ثم أقبلت الزراعة على أرض تبوك إقبالَ الحياةِ على موضعِ الخصب، فأثمرت سهولها، واخضرت حقولها، وأصبحت المنطقة عنوانًا للعطاء والإنتاج، وموردًا من موارد الأمن الغذائي للوطن. ولم يكن ذلك إلا ثمرة رؤية أدركت أن الأرض إذا أُحسن استثمارها ردّت الجميل أضعافًا مضاعفة. ولما كانت تبوك بوابة الشمال، ومطلع المملكة على آفاق واسعة من الحركة والتبادل والتنمية، هيأها الله في هذه العقود لتكون ركنًا مهمًا في منظومة الخدمات اللوجستية ومشروعات المستقبل، حتى غدت، بما حباها الله من موقع فريد وإمكانات عظيمة، إحدى المحطات البارزة في مسيرة التحول الوطني. وكأن السنوات الأربعين لم تكن إلا إعدادًا متصلًا لهذه المكانة، وبناءً متدرجًا لهذا الحضور الذي تلتقي عنده الجغرافيا بالرؤية، ويلتقي فيه طموح الوطن بثمار العمل الصادق. وكانت عظمة التجربة أن التنمية لم تكن عند سموه بناء حجرٍ على حجر، وإنما بناء إنسانٍ إلى جانب الإنسان. فكم من مشروع شُيّد فغيّر وجه المكان، وكم من موقف إنساني صامت غيّر حياة إنسان. والناس قد يعجبون بالعمران حين يرونه، لكنهم يحبون الرجال حين يلمسون آثار رحمتهم وعدلهم ووفائهم. ولذلك لم يكن حضوره في حياة أبناء تبوك حضور المسؤول الذي يعرفه الناس من خلال الأخبار والقرارات، بل حضور الأب الذي يجدونه في أفراحهم وأتراحهم، وفي حاجاتهم قبل مطالبهم، وفي تفاصيل حياتهم التي لا تظهر في السجلات الرسمية. وما تزال أملج تحفظ في ذاكرتها للأمير فهد بن سلطان موقفًا من المواقف التي لا تنقضي بانقضاء أعوامها، ولا تبهت مع تعاقب الأيام؛ لأن بعض المواقف يجاوز حدود الحادثة التي وُلد فيها ليصبح شاهدًا على معادن الرجال وحقائقهم. فعندما اضطربت الأرض بزلزال الشاقة، وتتابعت هزاتها بما يبعث في النفوس رهبةً وقلقًا، لم يكن سموه ممن يقفون عند حدود المتابعة من بعيد، أو يكتفون بما تنقله التقارير وترويه الأخبار، بل آثر أن يكون حيث يكون الواجب، وأن يحضر حيث يحتاج الناس إلى الطمأنينة قبل حاجتهم إلى التوجيه. فشدَّ رحاله إلى الميدان، وحضر بنفسه بين الأهالي، متفقدًا أحوالهم، ومتابعًا شؤونهم، ومطمئنًا على سلامتهم، ومستشعرًا أن القيادة في أوقات الشدائد ليست إدارةً للأحداث فحسب، وإنما هي بثٌّ للسكينة في القلوب، وإشعارٌ للناس بأن دولتهم معهم حضورًا وعنايةً ومؤازرة. وكان لذلك الحضور من الأثر ما لا تحيط به لغة الأرقام ولا تحفظه السجلات؛ إذ رأى الأهالي أميرهم بينهم في ساعة القلق، فهدأت النفوس بعد اضطرابها، وسكنت الخواطر بعد وجلها، وشعر الناس أن يد الرعاية قد سبقت إليهم قبل أن تبلغهم المخاوف.
ولذلك بقي ذلك الموقف محفوظًا في ذاكرة أملج وأهلها، تتناقله الأجيال بوصفه صورةً ناصعةً من صور الوفاء للمسؤولية، لا لأنه ارتبط بحدثٍ استثنائي فحسب، بل لأنه كشف عن سجيةٍ أصيلةٍ في رجلٍ جعل من القرب من الناس منهجًا لا يتغير، ومن الوقوف معهم عند الملمات خُلُقًا لا تحكمه المناسبات. ومن هنا نشأت تلك المحبة الصادقة التي لا تُفرض بسلطان المنصب، وإنما يكتبها الله لعباده المخلصين في قلوب الناس. وعلى امتداد أربعة عقود، ظل الأمير فهد بن سلطان وفيًّا لمنهج لا يتغير؛ أن يكون قريبًا من المواطن، حاضرًا في الميدان، مستمعًا قبل أن يتحدث، ومبادرًا قبل أن يُطلب منه. وكان يدرك أن الحاكم الذي يسمع صوت الناس من أفواههم أبصر بحاجاتهم من آلاف التقارير التي تُرفع إلى مكتبه. واليوم، بعد أربعين عامًا من العطاء، لا يقف المرء أمام تجربة الأمير فهد بن سلطان متأملًا عددَ المشروعات ولا حجمَ المنجزات فحسب، وإنما يقف أمام درسٍ عميق في معنى المسؤولية حين تقترن بالإخلاص، وفي معنى القيادة حين تمتزج بالإنسانية، وفي معنى البقاء الجميل في ذاكرة الناس. فالمناصب مهما علت إلى زوال، والسنون مهما طالت إلى انقضاء، أما ما يودعه الإنسان في قلوب الخلق من معروف، وما يغرسه في حياة الناس من خير، فهو الباقي بعد انصراف الأيام.
ومن هنا استحق الأمير فهد بن سلطان مكانته الرفيعة في وجدان أبناء تبوك؛ لأن سيرته لم تُكتب بالحبر وحده، بل كُتبت بأثرٍ عاشه الناس، وشهدوا ثماره، وحفظوه وفاءً ومحبةً جيلًا بعد جيل. وهكذا تمضي الأعوام، ويبقى من الرجال من تتحول أعمارهم إلى صفحاتٍ من تاريخ أوطانهم؛ فإذا ذُكر البناء ذُكروا، وإذا ذُكر الوفاء ذُكروا، وإذا ذُكرت تبوك الحديثة كان اسم الأمير فهد بن سلطان حاضرًا فيها حضور المعنى في الكلمة، والروح في الجسد، والأثر الطيب في ذاكرة الزمن.
كتبه/فائز بن سلمان الحمدي

اترك تعليقاً