موائد الرحمن.. تاريخ عبِق يسري في شوارع المحروسة

“مائدة الرحمن” هو مصطلح يطلق على مائدة الإفطار التي تقام خلال شهر رمضان لإطعام المسلمين الصائمين، حيث يتبرع بعض الأشخاص للإنفاق على تنظيمها، بهدف إطعام الفقراء والمساكين، ومن لم يستطع أن يفطر في منزله، وتنتشر بكثرة في شوارع مصر، مما يضفي نوعاً من البهجة للأجواء المصرية، لا يشعر بها إلا عاشها وامتزج بأزقة مصر وشوارعها.
الجذور التاريخية لمائدة الرحمن:
يعتقد الكثيرون أن أول من بدأها وأقامها، هو رسول الله “صلّ الله عليه وسلم”، عندما أقام مائدة للوفد الذي أتي من الطائف أثناء وجوده بالمدينة، ولكن لم تكن كما هو الآن، فالمائدة بشكلها المعتاد ما أتت إلا حديثاً.
أول مائدة رحمن في التاريخ:
ووفق ما قاله الدكتور إبراهيم مرزوق في كتابه، “دليل الأوائل”، إن أول من أقام مائدة الرحمن هو الخليفة” العزيز بالله الفاطمي”، وأقامها ليفطر منها أهل مسجد عمرو بن العاص.
وبحسب المؤرخين والكتاب، كان في زمن الخليفة العزيز بالله، يخرج 1100 قدر من الطعام المختلف يومياً، لتوزيعها على الفقراء والمساكين، وبعدها يجلس الخليفة في شرفته الكبيرة، ويقضي الوقت في سماع تلاوات القرآن الكريم العذبة، ومشاهدة حلقات الذكر.

مظاهر موائد الرحمن في العصر الفاطمي:
وتستمر تلك الفعالية، ممتزجة بالإيمان والبهجة، حتى منتصف الليل، ومن ثم بعدها يأمر الخليفة بتوزيع العطايا على الفقراء، حتى ميعاد السحور ، فتجد مائدة أخرى عامرة في نفس مكان الإفطار، وحسب الروايات فإن “مائدة الرحمن” حينذاك حملت اسم “دار الفطرة”، وكانت تقام خارج القصر.
سماط الخليفة و” دار الفطرة”
أكد الأثريون أن فكرة مائدة الرحمن ترجع إلى الولائم التي كانت تقام من قبل الحكام وكبار رجال الدولة والأغنياء في العهد الفاطميّ، وكانت تسمى بـ “سماط الخليفة”، بينما كان القائمون عليها من قصر الخليفة يمدونها بمخزون وفير من السكر والدقيق لعمل الحلويات الرمضانية مثل الكنافة والقطايف وغيرها.
وأشار الأثريون إلى أن “دار الفطرة” كانت مهمتها إعداد الكعك والحلويات وماشابه، لتوزيعه على الناس خلال شهر رمضان وعيد الفطر، وكانت تعد بوفرة كبيرة، لتكفي جموع أهالي القاهرة، كما كان يحرص الخليفة على إقامة مائدة إفطار رمضانية تسمى “سماط”، بحضور رؤساء الدواوين والحاكم والوزراء وكانت القاهرة في ذلك الوقت مدينة خاصة للخليفة وخاصته وفرق الجيش المختلفة طبقاً للدراسات الأثرية.
ومع قدوم اليوم الرابع من رمضان، يقام” السماط” كل ليلة بقاعة الذهب، حتى بلوغ اليوم السادس والعشرين، ويستدعى القضاة له مما يضفي نوعاً من الرقي والوقار، كما يحضر إليه الوزير ويتصدر “السماط”، فإن تغيب أو تأخر كان أخوه او ابنه.

موائد الرحمن في العصر المملوكي:
كما أن العصر المملوكي اشتهر بالسخاء في مصر، وتوسيع الإنفاق على الفقراء والمساكين، خاصة في شهر رمضان، وتبرز مظاهر السخاء في صرف الرواتب لأرباب الوظائف وحملة العلم، والأيتام.

روايات حول أول مائدة رحمن:
نصت بعض الروايات التاريخية على أن أول مائدة رحمن، ظهرت في عهد الخليفة العباسي “هارون الرشيد” الذي أقام أول مائدة رحمن بحديقة قصره.
كما نصت روايات أخرى على أن أول مائدة رحمن كانت في عهد “أحمد بن طولون” عام 880م، وذلك في السنة الرابعة من ولايته، حيث أخبر الجميع أنها ستستمر طوال شهر رمضان، واختفت بعد ذلك لفترة من الزمن حتى عادت مرة أخرى
وفي القرن العشرين بدأت موائد الرحمن بالظهور ثانية، ولكن تحت رعاية حكومة بنك ناصر الاجتماعي، والتي كانت تقام بجانب الجامع الأزهر، ويفطر بها أربعة آلاف صائم من أموال دافعي الزكاة.

أول مائدة مشتركة بين الأقباط والمسلمين:
يذكر أن أول مائدة إفطار قبطية، أُقيمت في شهر رمضان، كانت في حي شبرا عام 1969م، حين أقام القمص “صليب متى ساويرس”، راعي كنيسة مارجرجس، مائدة إفطار للمسلمين والمسيحيين في شهر رمضان، بميدان الأفضل بـ شبرا، ومنذ ذلك الوقت بدأت موائد الرحمن في الانتشار حتى أصبحت تاريخاً عبِقاً يسري في حواري وأزقة مصر.




