جائزة الأمير فهد بن سلطان للتفوق العلمي والتميّز.. 39 عامًا من التكريم والأثر

منذ انطلاقتها عام 1408هـ، ارتبطت جائزة الأمير فهد بن سلطان للتفوق العلمي والتميّز بتكريم المتفوقين والمتميزين في منطقة تبوك، قبل أن تتسع مجالاتها مع مرور السنوات لتشمل صورًا مختلفة من الإنجاز، من التفوق العلمي إلى الإبداع والابتكار وخدمة المجتمع. وخلال مسيرتها الممتدة لـ39 عامًا، كرمت الجائزة أكثر من 5400 متفوق ومتفوّقة.
لكن قراءة الجائزة بعد 39 عامًا لا تتوقف عند عدد المكرمين أو سنوات مسيرتها، وإنما تمتد إلى ما تركته التجربة في التعليم، وفي نفوس الذين عاشوها فائزين أو تربويين أو مسؤولين عن الميدان.
ومن أكثر من عايشوا هذه المسيرة الدكتور محمد بن عبدالله اللحيدان، الذي ارتبط بالجائزة لأكثر من 26 عامًا، وشهد مراحل تطورها عن قرب. ويوضح اللحيدان أن الجائزة انطلقت بهدف تشجيع الطلاب والطالبات على التفوق والتميز، وتعميق القيم الإيجابية، وإثارة روح التنافس الشريف، والاهتمام بالبحث العلمي والثقافة، قبل أن تتطور لاحقًا لتواكب مفهومًا أوسع للتميز.

ومع تطور التجربة، أضيفت إلى مجال التحصيل العلمي مسارات الإبداع والابتكار والخدمة المجتمعية، لتتسع دائرة الجائزة من تكريم المتفوق دراسيًا إلى الاحتفاء بصور أخرى من الإنجاز. ويرى اللحيدان أن هذا التطور جاء لمواكبة متطلبات المرحلة ودعم المتفوقين والمميزين من الأفراد والمؤسسات.
ويأخذ هذا التطور بعدًا آخر عند النظر إليه من داخل الميدان التعليمي؛ إذ يرى مدير عام التعليم بمنطقة تبوك الأستاذ ماجد بن عبدالرحمن القعير أن قيمة الجائزة لا تتوقف عند لحظة التكريم، وإنما تظهر في الانعكاس الذي تتركه في نفوس الطلاب والطالبات وأسرهم، وما تولده من دافع للتنافس الإيجابي وترسيخ قيمة العلم والإنجاز.

ويشير القعير إلى أن ما يميز الجائزة اليوم هو مواكبتها لتطور مفهوم التميز، فلم تعد مقتصرة على التحصيل العلمي، بل امتدت إلى الإبداع والابتكار وخدمة المجتمع، بما يمنح المواهب والطاقات المختلفة مساحة أوسع للظهور والتميز. ويرى أن استمرارها طوال هذه السنوات جعلها جزءًا من ذاكرة التعليم في المنطقة، تتناقل الأجيال تجربتها وتعرف قيمة الوصول إلى منصتها.
وتكتسب هذه الرؤية بعدًا أكثر وضوحًا من شهادة من عاش الجائزة فائزًا ثم عاد إلى الميدان التربوي. ومن هؤلاء عبدالفتاح أحمد الريس، الباحث التربوي والمؤرخ والكاتب الصحفي، وأحد الحاصلين على الجائزة في سنواتها الأولى.

واصل الريس بعد ذلك مسيرته في الميدان التعليمي، وتولى إدارة مدارس بمراحلها الثلاث في المنطقة لسنوات طويلة، ليصبح شاهدًا على الجائزة من موقعين؛ فائزًا بها في بداياتها، وتربويًا تابع تجربتها وانعكاساتها في أجيال متعاقبة.
ويرى الريس أن الجائزة أسهمت في خلق بيئة من التنافس الشريف وشحذ همم الطلاب والطالبات وتشجيعهم على التحصيل العلمي واستثمار طاقاتهم بما يعود بالنفع عليهم وعلى وطنهم، مؤكدًا أنه لمس أثرها «متجسدًا على أرض الواقع» خلال سنوات عمله التربوي.
كما يرى أن توسع الجائزة لاحقًا إلى البحث العلمي والابتكار والإبداع أسهم في إبراز مواهب وطاقات جديدة في المنطقة، ويختصر علاقته الطويلة بها بقوله: «ونحن أحد شهودها».
ومن شهادة تربوي عايش الجائزة عبر عقود، إلى تجربة أحد الفائزين، يقدم يزيد فهد حسن البلوي زاوية مختلفة؛ إذ يرى أن حصوله على جائزة الأمير فهد بن سلطان للتفوق العلمي والتميّز مثّل «محطة مفصلية ونقطة تحول جوهرية» في مسيرته.

ويؤكد البلوي أن التكريم لم يكن مجرد إنجاز يضاف إلى سيرته، بل منحه دفعة معنوية وثقة شكلت دافعًا مستمرًا للالتزام بالتميز والابتكار في المراحل اللاحقة، كما حمّله مسؤولية مهنية ومجتمعية بأن يكون على قدر هذا التقدير، ويواصل الإسهام في خدمة الوطن.
ويرى أن وصول الجائزة إلى دورتها الـ39 يؤكد استمرار رسالتها وتجدد قدرتها على إلهام أجيال متعاقبة نحو الريادة.
ومع اتساع مجالات الجائزة، أصبح مفهوم التميز الذي تحتفي به أكثر تنوعًا. ففي الدورة الـ38، لم يقتصر التكريم على التفوق العلمي، بل شمل الإبداع والابتكار والخدمة المجتمعية، ومن بين المكرمين في هذا المسار جمعية طفلي الطبية بمنطقة تبوك، بما يعكس انتقال الجائزة من تكريم الإنجاز الفردي إلى الاحتفاء بإنجاز يمتد نفعه إلى المجتمع.
وبذلك، تكشف الشهادات التي جمعتها «صدى تبوك» أربع زوايا لمسيرة الجائزة؛ فاللحيدان يتحدث من ذاكرتها المؤسسية الممتدة، والقعير يقرأها من الميدان التعليمي، والريس يجمع بين تجربة الفائز وخبرة التربوي، فيما ينقل البلوي انعكاسها من منصة التكريم إلى المسيرة الشخصية للفائز.

أما تجاوز عدد المكرمين 5400 متفوق ومتفوّقة، فيكشف حجم التجربة وامتدادها، ويعكس حضور الجائزة عبر أجيال متعاقبة من أبناء وبنات المنطقة، فيما تكشف شهادات من عايشوها أن قيمة التكريم لا تتوقف عند لحظة الاحتفاء، بل تمتد إلى ما يتركه من دافع وثقة ومسؤولية في مسيرة المكرمين.
وبعد 39 عامًا، تبدو الجائزة أكبر من موعد سنوي لتكريم المتفوقين؛ فقد تحولت مسيرتها إلى سجل لأجيال تعاقبت على منصتها، وتنوعت خلالها مجالات التميز من التحصيل العلمي إلى الابتكار والإبداع والخدمة المجتمعية.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم: كم شخصًا كرمت الجائزة؟ بل ما تركت تلك اللحظة في مسيرة من كرمتهم.





