انتقل إلى المحتوى

الزواجات الجماعية في تبوك.. من مبادرة إلى تجربة اجتماعية بارزة

من دعم المؤسسات والجمعيات إلى مبادرات العائلات والعشائر.. كيف انتقلت فكرة تخفيف أعباء الزواج من إطارها المؤسسي إلى تجربة اجتماعية تتكرر وتتطور في المنطقة؟

في تبوك، لم تعد الزواجات الجماعية مجرد مبادرات تنظمها جهة أو مؤسسة في مناسبة محددة؛ فقد مرت الفكرة خلال سنوات بمراحل متعددة، بدأت بدعم مؤسسي واضح، ثم انتقلت تدريجيًا إلى العائلات والعشائر واللجان الاجتماعية، لتتشكل اليوم بوصفها تجربة اجتماعية بارزة ومتكررة في المشهد المحلي.

ولا يعني ذلك أن الزواج الجماعي أصبح الشكل الغالب للزواج في المنطقة؛ فالزواجات الفردية ما تزال حاضرة وبكثرة. لكن اللافت أن فكرة الزواج الجماعي استطاعت أن تتجاوز إطار المبادرة المحدودة إلى نماذج اجتماعية يعيد المجتمع نفسه تنظيمها وتطويرها، وفق احتياجاته وإمكاناته.

نماذج مؤسسية موثقة.. المؤسسة تفتح الطريق

تكشف التجارب الموثقة إعلاميًا أن فكرة الزواج الجماعي في تبوك ليست جديدة، وأن المؤسسات الاجتماعية والجمعيات الخيرية كان لها دور مبكر في تقديمها باعتبارها وسيلة لتخفيف أعباء الزواج وتعزيز التكافل.

ومن أبرز المحطات حفل الزواج الجماعي الذي أقيم عام 2009 بمشاركة أكثر من 2882 شابًا وشابة، ونظمه مركز الأمير فهد بن سلطان الاجتماعي.

ووصفت وكالة الأنباء السعودية «واس» الحفل، نقلًا عن مسؤولين في المركز، بأنه الأكبر على مستوى المملكة والوطن العربي آنذاك، فيما احتُفي خلال المناسبة بأكثر من 1400 عريس. وأكد أمير منطقة تبوك حينها أهمية مثل هذه المناسبات في الإسهام في تخفيف بعض تكاليف الزواج عن الشباب.

لم تكن تلك التجربة مجرد احتفال جماعي؛ فقد قدمت نموذجًا واضحًا لفكرة تقوم على جمع عدد من المقبلين على الزواج في مناسبة واحدة، وتقاسم جانب من التكاليف والتنظيم، بدلًا من أن يتحمل كل شاب كامل الأعباء بمفرده.

2012.. الزواج الجماعي بوصفه برنامجًا اجتماعيًا

بعد ذلك بثلاث سنوات، عادت الفكرة في صورة أكثر تنظيمًا.

وبحسب ما نشرته صحيفة «عكاظ» عام 2012، شهدت تبوك حفل الزواج الجماعي الثاني بمشاركة 600 شاب وفتاة، ونظمته جمعية الملك عبدالعزيز الخيرية وجمعية برنامج الأمير فهد بن سلطان الاجتماعي.

ولم يقتصر البرنامج على الاحتفال، بل ارتبط — وفق ما أوردته الصحيفة — بتخفيف أعباء الزواج وتقديم برامج تدريبية للمقبلين عليه، بما يعكس انتقال الفكرة من مجرد مناسبة جماعية إلى برنامج اجتماعي له أهداف تتجاوز ليلة الزواج نفسها.

2019.. استمرار الدور المؤسسي

وفي عام 2019، استمرت التجربة المؤسسية بصورة أخرى.

وذكرت صحيفة «الجزيرة» أن تبوك شهدت حفل زواج جماعيًا لـ160 شابًا وفتاة، نظمته جمعية الملك عبدالعزيز الخيرية، برعاية من أمير منطقة تبوك، وبدعم من إدارة أوقاف صالح الراجحي.

وأشارت الجمعية إلى أن البرنامج يستهدف تخفيف تكاليف الزواج، إلى جانب تقديم التدريب والدعم النقدي والعيني، وربط ذلك بمفهوم التعاون والتكافل بين المجتمع والمؤسسات.

هذه المحطات تكشف مرحلة مهمة في تاريخ التجربة: المؤسسة كانت في البداية هي المحرك والمنظم والممول أو الداعم الرئيسي.

لكن القصة لم تتوقف عند هذا الحد.

عندما خرجت الفكرة من المؤسسة

مع مرور الوقت، بدأت الفكرة تظهر خارج الإطار المؤسسي التقليدي، لتنتقل إلى العائلات والعشائر واللجان الاجتماعية.

وهنا حدث التحول الأهم.

لم تعد الحاجة إلى جمعية أو مؤسسة شرطًا لإقامة الزواج الجماعي؛ فقد أصبح بإمكان مجموعة من أفراد العائلة أو العشيرة الاتفاق على إقامة زواج مشترك، وتشكيل لجنة تتولى جمع الأسماء، وتنظيم المساهمات، وحجز القاعة، وترتيب الضيافة، وإدارة تفاصيل المناسبة.

وبذلك تغيرت طبيعة الفكرة نفسها:

من برنامج تنظمه مؤسسة للمستفيدين، إلى مبادرة ينظمها المجتمع لنفسه.

وهذا التحول هو الذي يمنح تجربة تبوك أهميتها الاجتماعية.

العشيرة تتحول إلى «منظومة تنظيم»

في النماذج العائلية والعشائرية، لم يعد الزواج الجماعي مجرد جمع عدد من العرسان في قاعة واحدة.

ظهرت لجان، ومهام، وآليات للتنسيق، وتقاسم للتكاليف، وترتيب للخدمات.

وفي أحد النماذج التي تناولتها تقارير إعلامية حديثة، تحدث رئيس لجنة عن تجربة زواج جماعي سنوية لعشيرة في تبوك، شارك فيها 46 عريسًا، مع توزيع تكلفة الزواج بينهم، بحيث بلغت حصة العريس 8 آلاف ريال، شملت جوانب من تكاليف المناسبة والضيافة.

والأهم من الرقم نفسه هو النموذج التنظيمي الذي يعكسه: مجموعة من المقبلين على الزواج تتشارك التكلفة، ولجنة تتولى التفاصيل، ومناسبة واحدة تختصر عددًا كبيرًا من الالتزامات.

كما تظهر نماذج أخرى لتجارب متكررة لعشائر في المنطقة، بما يؤكد أن الفكرة لم تعد محصورة في نموذج مؤسسي واحد.

الدكتور صالح خضر العطوي.. من مناسبة إلى تجربة

الدكتور صالح خضر العطوي، رئيس مجلس أمناء صندوق تآزر وسند لعشيرة الهلبان من بني عطية، وصاحب تجربة ممتدة في تنظيم الزواجات الجماعية، ينظر إلى التجربة من زاوية تتجاوز ليلة الاحتفال.

فمن خلال تجربة امتدت إلى تنظيم 13 زواجًا جماعيًا، يرى أن الفكرة تطورت من مجرد مناسبة إلى مبادرة اجتماعية لها أهداف أوسع.

ويشير إلى أن أبرز ما تحققه هو تخفيف العبء المالي والزمني والاجتماعي عن المقبلين على الزواج وأسرهم، بدلًا من تعدد المناسبات والالتزامات المرتبطة بالزواج.

وفي تجربته، لم تعد المسألة مرتبطة بتقليل قيمة الاحتفال، وإنما بإعادة ترتيب الأولويات: أن يكون الإنفاق موجهًا إلى تأسيس الأسرة، لا إلى استنزاف موارد الشاب في مناسبة واحدة.

كما يوضح أن صندوق تآزر وسند يعمل على تقليل تعدد المناسبات المرتبطة بالزواج، مثل الخطوبة والحناء وغيرها، ومحاولة جمعها في إطار أكثر اختصارًا وتنظيمًا.

وتبرز في تجربته كذلك محاولة وضع ضوابط مرتبطة باستقرار الأسرة، مؤكدًا أن نجاح الزواج لا يقاس بحجم الإنفاق في ليلة واحدة، وإنما بقدرته على الاستمرار وتكوين أسرة مستقرة.

وهنا يظهر بُعد آخر للتجربة: الزواج الجماعي ليس فقط آلية لتقاسم التكلفة، بل محاولة لإعادة تعريف ما الذي يستحق أن يُنفق عليه في بداية الحياة الزوجية.

المهندس محمد فرج العطوي.. اللجنة تتولى التفاصيل

أما المهندس محمد فرج العطوي، الكاتب والمشارك في تنظيم الزواجات الجماعية، وله تجربة مباشرة في الجوانب التنظيمية واللوجستية لهذه المبادرات، فيركز على الجانب العملي الذي يجعل الفكرة قابلة للتنفيذ.

فبحسب تجربته، لا يدفع العريس سوى مبلغ محدود ضمن مساهمة جماعية، بينما تتولى اللجنة تفاصيل واسعة تبدأ من اختيار القاعة وحجزها، مرورًا بتجهيز الذبائح والمطبخ والقهوة والصوتيات، وانتهاءً بالدعوات والاستقبال والبرنامج الرسمي وترتيب أقسام الرجال والنساء.

وهذا التنظيم يختصر على العريس وأسرته قدرًا كبيرًا من الوقت والجهد والمتابعة.

كما يرى أن الفائدة لا تتوقف عند العريس؛ فالضيف نفسه يتعامل مع مناسبة واحدة بدلًا من تكرار الحضور والمساهمات في عدد كبير من حفلات الزواج خلال الموسم.

ومن هذه الزاوية، يصبح الزواج الجماعي نوعًا من إعادة توزيع التكلفة والجهد والوقت بين مجموعة أكبر من المشاركين.

ويرى العطوي أن هذا النوع من المناسبات أصبح مألوفًا ومقبولًا لدى شرائح مختلفة من المجتمع المحلي، وأن التجربة في صورتها الحالية تقوم بدرجة كبيرة على التنظيم المسبق وتقاسم المسؤوليات.

المدرب ياسر بن جحلان.. «نحن معك» تتحول إلى ممارسة

ومن الزاوية الاجتماعية والثقافية، يقرأ المدرب ياسر بن جحلان، المستشار المعتمد في الحوار الأسري بمركز الملك عبدالعزيز للتواصل الحضاري، والمدرب والكاتب المهتم بالشأن الاجتماعي والثقافي، هذه التجربة باعتبارها انعكاسًا لفكرة أوسع: أن المجتمع يستطيع تحويل قيمة التكافل من شعار إلى ممارسة.

فالزواج بطبيعته مناسبة فردية، لكن أعباءه يمكن أن تكون جماعية، ولذلك فإن اجتماع مجموعة من المقبلين على الزواج في مبادرة واحدة يخلق شعورًا بأن الفرد لا يواجه هذه المرحلة وحده.

ومن هنا تصبح رسالة «نحن معك» فعلًا اجتماعيًا، لا مجرد عبارة.

واللافت أن هذه الممارسة لا تلغي الزواج الفردي ولا تنافسه، وإنما تقدم خيارًا اجتماعيًا آخر لمن يرغب فيه، وهو ما يفسر قدرتها على الاستمرار والتوسع في نماذج مختلفة.

ما الذي تغير فعلًا؟

إذا وضعنا التجارب الموثقة إلى جانب النماذج المجتمعية اللاحقة، فإن التغير الأوضح ليس في فكرة الزواج الجماعي نفسها، وإنما في الجهة التي تحملت مسؤولية تنفيذها.

في البداية، كانت المؤسسات والجمعيات هي الطرف الأبرز في التنظيم والدعم.

ثم ظهرت مبادرات العائلات والعشائر.

وبعد ذلك تطورت هذه المبادرات إلى لجان متخصصة تتولى المال والتنظيم والضيافة والإعلام وغيرها من التفاصيل.

أي أن المجتمع لم يكتفِ بتلقي الفكرة؛ بل أعاد إنتاجها بطريقته الخاصة.

متى تتحول المبادرة إلى تجربة بارزة؟

لا تتحول كل مبادرة إلى ممارسة مستمرة.

ما يجعل التجربة مختلفة هو قدرتها على الاستمرار، وإعادة تكرار نفسها، وتطوير أدواتها، ثم انتقالها من مجموعة إلى أخرى.

وهذا ما يظهر في عدد من نماذج الزواجات الجماعية في تبوك؛ إذ لم تعد بعض المبادرات مرتبطة بمناسبة واحدة، بل أصبحت تتكرر بصورة سنوية أو دورية لدى بعض العائلات والعشائر.

وهنا يمكن فهم بروز التجربة بعيدًا عن أي تعميم على المجتمع كله:

الزواج الجماعي ليس بديلًا عن الزواج الفردي، لكنه أصبح خيارًا اجتماعيًا له حضوره وتجربته التنظيمية الخاصة.

التكافل.. من قيمة إلى ممارسة

التكافل الاجتماعي مفهوم قديم، لكن قيمته الحقيقية تظهر عندما يتحول إلى ممارسة قابلة للتطبيق.

في الزواج الجماعي، يأخذ التكافل صورة واضحة:

عريس يساهم مع آخرين، وأسرة تختصر عددًا من الالتزامات، ولجنة تتولى التنظيم، وضيوف يحضرون مناسبة واحدة ويشاركون في فرحة مجموعة من الأسر.

وهكذا تنتقل المسؤولية من الفرد إلى المجموعة، من دون أن يفقد الزواج خصوصيته بوصفه مناسبة لكل أسرة.

من الفرد إلى الجماعة

ربما يكون هذا هو التحول الأهم في تجربة الزواجات الجماعية.

فالزواج في أساسه قرار فردي، لكن تكاليفه والتزاماته الاجتماعية ليست فردية بالكامل.

وعندما يجتمع عدد من المقبلين على الزواج في مناسبة واحدة، تصبح بعض الأعباء قابلة للتقاسم، ويتحول تنظيم المناسبة من مسؤولية أسرة واحدة إلى مسؤولية مجموعة.

وهذا ما يفسر قدرة الفكرة على الانتقال من المؤسسات إلى العائلات والعشائر.

الخلاصة.. تجربة أعاد المجتمع إنتاجها

ما تكشفه تجربة الزواجات الجماعية في تبوك ليس اختفاء الزواجات الفردية، ولا تحول المجتمع كله إلى هذا النمط من الاحتفال، وإنما يكشف بروز نموذج اجتماعي استطاع أن يستمر ويتطور ويتخذ أكثر من صورة.

فمن المبادرات التي دعمتها المؤسسات والجمعيات في مراحل موثقة، إلى اللجان التي شكلتها العائلات والعشائر لاحقًا، تغيرت أدوات التنظيم، بينما بقي الهدف الأساسي حاضرًا: تخفيف أعباء الزواج، وتقاسم المسؤولية، ومساندة المقبلين على تأسيس أسرهم.

وبهذا المعنى، تبدو تبوك أمام تجربة بارزة في الزواجات الجماعية؛ تجربة لم تعد مرتبطة بمؤسسة واحدة أو برنامج واحد، بل أعاد المجتمع إنتاجها وتطويرها وفق ظروفه واحتياجاته.

وربما تكمن أهميتها في أنها لا تحاول إلغاء الزواج الفردي، وإنما تقدم نموذجًا آخر يقول إن فرحة الزواج يمكن أن تكون فردية في معناها، وجماعية في بعض أعبائها.

مصادر التحقيق

  • وكالة الأنباء السعودية «واس» — تقرير حفل الزواج الجماعي في تبوك عام 2009.
  • صحيفة «عكاظ» — تقرير حفل الزواج الجماعي الثاني في تبوك عام 2012.
  • صحيفة «الجزيرة» — تقرير حفل الزواج الجماعي في تبوك عام 2019.
  • تقارير إعلامية حديثة حول نماذج الزواجات الجماعية التي تنظمها العائلات والعشائر في تبوك.
  • شهادات وتجارب مباشرة للدكتور صالح خضر العطوي، والمهندس محمد فرج العطوي، والمدرب ياسر بن جحلان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *