من الخيمة إلى القصر.. رحلة ثوب الكعبة على مر العصور

كسوة الكعبة الشريفة من أهم مظاهر التشريف للبيت الحرام، ويرتبط تاريخ الكسوة بتاريخ الكعبة نفسها؛ حيث اهتم المسلمون بكسوة الكعبة المشرفة، وصناعتها، والإبداع في صنعها، وتسابقوا لهذا الشرف العظيم حتى أصبح يوم تبديلها عام احتفالاً كبيراً ومهيباً لا نظير له، فما قصتها؟.
كسوة الكعبة قبل الإسلام:
ذهبت بعض المصادر التاريخية إلى أن سيدنا إسماعيل -عليه السلام- هو أول من كسا الكعبة، والبعض الآخر يذهب إلى أن عدنان جد النبي–ﷺ– الأعلى هو أول مَن كساها، غير أن الذي ورد في التاريخ، أن أول مَن كسا الكعبة هو “تبع أبي كرب أسعد” ملك حمير عام 220 قبل الهجرة بعد عودته لغزوة يثرب.
وأخذ الأمراء في تقديم الهدايا إليها من الأكسية المتنوعة، وكلما جاءت كسوة جديدة طرحت الكسوة السابقة، إلى أن جاء عهد “قصي بن كلاب”، ففرض على القبائل كسوتها سنويًّا، وظلت قريش تقوم بكسوة الكعبة حتى زمن “أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي” وكان من أثرياء القوم، فصرح لقريش: أنا أكسو الكعبة وحدي عامًا وجميع قريش عامًا، فوافقت قريش بذلك، وسمي بذلك “العدل”؛ لأنه عدل بفعله قريشًا كلها.
أما أول امرأة كست الكعبة في الجاهلية فهي “نبيلة بنت حباب” أم العباس بن عبد المطلب، وكانت قد نذرت ذلك.
ومن المعلوم أن الكعبة قبل الإسلام كانت تُكسى في يوم عاشوراء، ثم صارت تُكسى في يوم النحر، وصاروا يعمدون إليها في ذي القعدة فيعلقون كسوتها إلى نحو نصفها، ثم صاروا يقطعونها فيصير البيت كهيئة المحرم، فإذا حل الناس يوم النحر كسوها الكسوة الجديدة.
كسوة الكعبة بعد الإسلام وخروجها من مصر لمكة:
لم يتح لرسول الله -ﷺ- كسوة الكعبة إلا بعد فتح مكة، فكساها هو وصاحبه أبو بكر الصديق بالثياب اليمنية، ثم بعدها كساها عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان بـ“القباطي المصرية”، وهي أثواب بيضاء، رقيقة كانت تُصنَع في مصر.
ولقد حظيت مصر بشرف صناعة كسوة الكعبة منذ أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، حيث كانت تصنع الكسوة من القماش المصري المعروف باسم “القباطي” الذي كان يصنع بمدينة الفيوم، وقد تعددت أماكن صناعة الكسوة مع انتقال العاصمة في مصر من مدينة إلى أخرى حتى انتهى الأمر إلى مدينة “قاهرة المُعّز”، فتأسست دار كسوة الكعبة بحي “الخرنفش” في القاهرة عام 1233هـ، وهو حي قديم وعريق يقع عند التقاء شارع” بين الصورين” وميدان “باب الشعرية”، والأبرز أنه ما زالت هذه الدار قائمة حتى الآن، وتحتفظ بآخر كسوة صنعت للكعبة المشرفة داخلها، واستمر العمل في دار الخرنفش حتى عام 1962م، ثم توقفت مصر عن إرسال كسوة الكعبة لما تولت المملكة العربية السعودية شرف صناعتها.
كسوة الكعبة في العصر الحديث:
في عام 1346 هـ/ 1926م أصدر الملك عبد العزيز آل سعود أمرًا ملكيًّا بتشييد ” مصنع أم القرى” الذي يختص بصناعة الكسوة الشريفة، واستقطب له أبرع الفنانين والعمال المهرة، وبحلول عام 1382هـ، صدر مرسوم ملكي بتجديد المصنع، واستمر إنتاج المصنع حتى عام 1977م، وافتتح الملك عبد العزيز مقرًّا جديدًا في “أم الجود”، الذي يؤدي رسالته مواكبًا للتطور العلمي والفني، ويتكون المصنع من ستة أقسام، هي، الحزام، والنسيج اليدوي، والصباغة، والنسيج الآلي، والطباعة، والستارة الداخلية.
مراحل تصنيع الكسوة:
مرحلة الصباغة:
وهي أولى محطات إنتاج الثوب بالمصنع؛ حيث يزود قسم الصباغة بأفضل أنواع الحرير الطبيعي في العالم، ويتم تأمينه على هيئة شلل خام عبارة عن خيوط مغطاة بطبقة من الصمغ الطبيعي تسمى سرسين، تجعل لون الحرير يميل إلى الاصفرار، وتزن الشلة حوالي 100 جرام وبطول حوالي 3000 متر تقريبا وبارتفاع 76سم، وتتم صباغته على مرحلتين:
الأولى: مرحلة إزالة الصمغ، وتتم في أحواض ساخنة تحتوي على صابون “زيت الزيتون” وبعض المواد الكيميائية، ثم تغسل بالماء عدة مرات حتى تعود للون الأبيض الناصع.
الثانية: مرحلة الصباغة، وتتم في أحواض ساخنة تمزج فيها الأصبغة المطلوبة، وهي: الأسود بالنسبة للكسوة الخارجية للكعبة المشرفة، والأخضر لكسوتها الداخلية.
مرحلة النسيج:
وهي تحويل الشِّلل الحريرية إلى أكوام ليتم تسديتها على مكنة السداء، وذلك بتجميع الخيوط الطولية للنسيج بجانب بعضها على أسطوانة تعرف بمطوة السداء، وتسمى هذه المرحلة “التسدية” ثم تمرر الأطراف الأولى بهذه الخيوط داخل أسلاك الأمشاط الخاصة بأنوال النسيج وتسمى مرحلة اللقي.
أما الخيوط العرضية اللُّحمة للنسيج فتلف على بَكَر خاص يسمى “بوينه” التي تثبت داخل المكوك، وهو الذي يتحرك داخل الخيوط الطويلة ليكون المنسوج حيث تأخذ طريقها إلى النسيج اليدوي والنسيج الآلي.
مرحلة التصميم:
حيث يقوم المصمم بعمل دراسات للزخارف والخطوط في الفن الإسلامي، ثم توضع تصميمات مدروسة ترسم رسما دقيقا في المساحة المطلوبة ويتم تلوينها وتحبيرها، وتشمل التصميمات الزخارف والكتابات المطرزة على الحزام والستارة وكذلك تصميم الزخارف النسجية المنفذة على أقمشة الجاكارد للكسوة الخارجية أو الداخلية.
مرحلة الطباعة:
في هذا القسم يتم أولا تجهيز المنسج، والمنسج عبارة عن ضلعين متقابلين من الخشب المتين يُشد عليهما قماش خام (للبطانة)، ثم يثبت عليه قماش حرير “أسود سادة” غير منقوش، وهو الذي يطبع عليه حزام الكسوة، وستارة باب الكعبة المشرفة وكافة المطرزات والطباعة تتم بواسطة “الشابلونات” أو السلك سكرين أي الشاشة الحريرية، ثم ينقل التصميم المراد طباعته على بلاستيك شفاف بلون أسود معتم ليصبح (فيلم نيجاتيف) ثم يصور هذا الفيلم وينقل على حرير الشابلون ثم يطبع، وعندها يصبح الشابلون قالب الطباعة جاهزا لنقل التصميم على القماش مئات المرات.
مرحلة التطريز:
وهي التطريز بالأسلاك الفضية والذهبية للأشياء المكتوبة؛ حيث تمر هذه المراحل تحت المختبر الذي يقيس درجة ثبات اللون بالنسبة للعرق، ودرجة سُمك القماش، ودرجة قوة الخيط أو القماش، ودرجة مقاومة القماش للحريق، ودرجة الاحتكاك، ودرجة ثبات اللون ضد الغسيل، ومرحلة تجميع الكسوة تكون وفقا لما ينتج من مكنة الجاكارد، حيث تُنتَج قطع كبيرة على حسب المقاسات المطلوبة للكسوة، وذلك بتفصيل كل جنب من جوانب الكعبة على حدة حسب عرض الجنب، ومن ثم يتم تبطينها بقماش القلع “القطن” بنفس العرض والطول، وعند التوصيلات تتم حياكتها وتثبيتها بكينار متين مصنوع من القطن بعرض 7 سم ليزيد من متانتها.
وعقب جميع هذه المراحل يقام في موسم حج كل عام احتفال سنوي في مصنع كسوة الكعبة المشرفة يتم فيه تسليم كسوة الكعبة المشرفة إلى كبير سدنة بيت الله الحرام، ويقوم بتسليم الكسوة الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف كما يسلم كيس لوضع مفتاح باب الكعبة تم إنتاجه في المصنع.
أرقام ومعلومات لكسوة الكعبة:
يستهلك الثوب الواحد (670) كجم من الحرير الطبيعي، ويبلغ مسطح الثوب (658) متراً مربعاً، ويتكون من (47) طاقة قماش طول الواحدة (14) متراً بعرض (95) سنتيمتراً، وتبلغ تكاليف الثوب الواحد للكعبة حوالي 17 مليون ريال سعودي، هي تكلفة الخامات وأجور العاملين والإداريين وكل ما يلزم الثوب.
ويبلغ عدد العاملين في إنتاج الكسوة 240 عاملاً وموظفاً وفنياً وإداريًّا، وتصنع كسوة الكعبة المشرفة من الحرير الطبيعي الخالص المصبوغ باللون الأسود المنقوش عليه بطريقة الجاكار عبارة “لا إله إلا الله محمد رسول الله”، “الله جل جلاله”، “سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم”، “يا حنان يا منان”. كما يوجد تحت الحزام على الأركان سورة الإخلاص مكتوبة داخل دائرة محاطة بشكل مربع من الزخارف الإسلامية.
باب الكعبة:
ويبلغ ارتفاع الثوب 14 متراً، ويوجد في الثلث الأعلى من هذا الارتفاع حزام الكسوة بعرض 95 سنتمتراً، وهو مكتوب عليه بعض الآيات القرآنية ومحاط بإطارين من الزخارف الإسلامية ومطرز بتطريز بارز مغطى بسلك فضي مطلي بالذهب، ويبلغ طول الحزام (47) متراً، ويتكون من (16) قطعة، كما تشتمل الكسوة على ستارة باب الكعبة المصنوعة من الحرير الطبيعي الخالص، ويبلغ ارتفاعها سبعة أمتار ونصفاً وبعرض أربعة أمتار مكتوب عليها آيات قرآنية وزخارف إسلامية ومطرزة تطريزاً بارزاً مغطى بأسلاك الفضة المطلية بالذهب، وتبطن الكسوة بقماش خام.
كما يوجد (6) قطع آيات تحت الحزام، وقطعة الإهداء و(11) قنديلاً موضوعة بين أضلاع الكعبة، ويبلغ طول ستارة باب الكعبة (7.5) أمتار بعرض (4) أمتار مشغولة بالآيات القرآنية من السلك الذهبي والفضي، وعلى الرغم من استخدام أسلوب الميكنة فإن الإنتاج اليدوي ما زال يحظى بالإتقان والجمال الباهر حيث يتفوق في الدقة والإتقان واللمسات الفنية المرهفة والخطوط الإسلامية الرائعة.
من المعلوم أن الكعبة تستبدل ثوبها مرة واحدة كل عام فيما يتم غسلها مرتين سنويا، الأولى في شهر شعبان، والثانية في شهر ذي الحجة.
ويستخدم في غسلها ماء زمزم، ودهن العود، وماء الورد، ويتم غسل الأرضية والجدران الأربعة من الداخل بارتفاع متر ونصف المتر، ثم تجفف وتعطر بدهن العود الثمين، وهذا الطِّيب يقدم هدية من حكام المملكة السعودية.




