انتقل إلى المحتوى

قمة الدوحة.. العرب بين التصعيد العسكري والدبلوماسية المدروسة

انعقدت القمة العربية الإسلامية الطارئة في الدوحة في لحظة حرجة بعد الهجوم الإسرائيلي الأخير الذي استهدف العاصمة القطرية، ما أحدث صدمة سياسية على الصعيدين الإقليمي والدولي.

وتطرح القمة، بحسب خبراء، أسئلة جوهرية حول إمكانية بدء مسار جديد يهدف إلى ردع إسرائيل، حماية أمن المنطقة، واستعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية.

مداخلات وتحليلات الخبراء

وقدم ثلاثة خبراء مداخلات تحليلية خلال القمة، وهم المحلل السياسي علي جمالو، والباحث السياسي عايد المناع، والمستشار الأكاديمي جمال عبد الجواد، حيث سلطوا الضوء على ثلاث مقاربات رئيسية تعكس تعقيدات المشهد وخيارات الدول العربية بين التصعيد العسكري والاستثمار الدبلوماسي.

الواقعية السياسية

يرى علي جمالو أن الهجوم الإسرائيلي على الدوحة يشكل ما وصفه بـ”اغتيال الوساطة”، مستهدفاً ليس فقط أطرافًا فلسطينية بل دور قطر كوسيط إقليمي، ويشير إلى أن القمة تواجه خيارين: الانجرار وراء ردود فعل شعبوية أو الاستثمار في المناخ الدولي الحالي الذي أصبح أكثر تقبلاً لفكرة الدولة الفلسطينية.

ويؤكد جمالو أن التصعيد العسكري غير محسوب سيكون هدية مجانية لإسرائيل، داعياً إلى استثمار الدعم الدولي غير المسبوق، خصوصاً من أوروبا، مع الأخذ في الاعتبار تعقيدات الموقف الأميركي المتأثر بالانتخابات واللوبيات السياسية.

الرؤية الخليجية والاعتماد على الذات

من جانبه، ركز عايد المناع على البعد الأمني والاعتماد الذاتي، مشيراً إلى محدودية دور القواعد العسكرية الأجنبية في حماية المنطقة، وخصوصاً بعد عدم تدخل قاعدة العديد الأميركية أثناء الهجوم.

ويؤكد المناع أن الهجوم يعزز ضرورة اعتماد العرب على أنفسهم عسكرياً وسياسياً، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة، ويشير إلى أن الهجوم على قطر يعكس سعي إسرائيل المستمر لإبقاء المنطقة في حالة توتر، مؤكداً أن الدعم الدولي المتزايد لفلسطين يمكن أن يتحول إلى ورقة ضغط جماعية عربية وإسلامية.

المقاربة الاستراتيجية

ويرى جمال عبد الجواد أن القمة تمثل بداية لمسار طويل لإعادة التفكير الاستراتيجي العربي، في ظل تحول الدور الأميركي إلى أقرب للموقف الإسرائيلي بسبب هيمنة تيارات “الصهيونية المسيحية”.

ويحذر عبد الجواد من خطورة خطة إسرائيل لتهجير الفلسطينيين قسراً، مؤكداً أن العدوان الإسرائيلي الأخير أسقط فرضية فصل مصير الدول العربية عن مصير فلسطين، داعياً إلى بناء رؤية أمنية جماعية عربية تعتمد على التعاون العربي-العربي، مع الانفتاح على روسيا والصين والاتحاد الأوروبي.

بين الشعبوية والمواقف العملية

اتفق الخبراء على التحذير من الشعبوية السياسية، مشددين على أن مجرد انعقاد القمة يمثل رسالة قوية، لكن التحدي يكمن في تحويلها إلى مسار عملي.

البعد الدولي وما بعد القمة

يتفق المحللون على أن اللحظة الدولية الراهنة مواتية للعرب أكثر من أي وقت مضى، مع عزلة إسرائيل دبلوماسياً وتزايد الدعم الدولي لفلسطين، ما يفتح الباب أمام تحركات استراتيجية في الأمم المتحدة، مثل الدفع نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

لكنهم يختلفون حول مدى كفاية الشرعية الدولية دون أوراق ضغط أخرى، حيث يرى المناع إمكانية إعادة صياغة العلاقات مع واشنطن، بينما يؤكد عبد الجواد أن بناء قدرات عربية ذاتية هو الضمانة الأساسية، فيما يصر جمالو على استغلال التوقيت سياسياً قبل أن يضيع في الخطابات الشعبوية.

الخلاصة

قمة الدوحة ليست مجرد اجتماع استثنائي، بل مرآة لحظة إقليمية ودولية متوترة، بين الواقعية السياسية لعلي جمالو، والدعوة للاعتماد على الذات لدى عايد المناع، والرؤية الاستراتيجية لجمال عبد الجواد، تتضح خطوط التباين والتلاقي: لا مواجهة عسكرية مباشرة، بل استثمار في الدعم الدولي وبناء أوراق قوة عربية على المدى الطويل.

ويبقى السؤال الأساسي: هل يملك العرب والإسلاميون الشجاعة السياسية لتجاوز الخطاب الشعبوي، وتبني خطوات مدروسة تعيد رسم التوازن في المنطقة، أم أن القمة ستظل منصة لإصدار بيانات قوية اللهجة سرعان ما تتلاشى أمام حقائق القوة على الأرض؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *