«بوتقة الأدب والتاريخ والفكر والشعر»… حوار مع الدكتور نايف الجهني

في هذا اللقاء الخاص مع صحيفة “صدى تبوك“، يفتح الدكتور نايف الجهني أفقاً تأملياً لمشروعه الفكري، حيث تتداخل مسارات الأدب والتاريخ والفكر في بنية واحدة تُسهم في بناء الوعي الإنساني.
ويناقش الحوار قضايا الثقافة المعاصرة، وتحولات حضور الشعر اليوم، وإشكاليات الخطاب الثقافي في عصر الإيقاع المتسارع، إضافة إلى مفاهيم فكرية معقدة تتطلب قراءة رصينة تواكب متغيرات المرحلة.
ونقدم لقراءنا الأعزاء في اللقاء الصحفي 14 سؤالًا سرد من خلاله الدكتور نايف الجهني مسارات الأدب والتاريخ والفكر في بنية واحدة لبناء الوعي الإنساني.
– كيف تقدّم مشروعك الفكري اليوم في ظل تنوّع اشتغالاتك بين الأدب والتاريخ والفكر؟
أقدم مشروعي الفكري ضمن إطار تكاملي يرى في الأدب والتاريخ والفكر مجالاتٍ متداخلة لا يمكن فصلها منهجيًا، فالنص الأدبي يفقد كثيرًا من دلالاته إذا قُرئ بمعزل عن سياقه التاريخي، كما أن تحليل الوقائع التاريخية يظل سطحيًا إن لم يُفكَّك ضمن الأنساق الفكرية التي أنتجتها.
وأكد الجهني أنه من هنا، أسعى إلى بناء رؤية معرفية شاملة تُظهر كيفية تشكل الوعي الإنساني عبر تفاعل التجربة الوجدانية (الأدب)، والإطار الزمني والواقعي (التاريخ)، والأدوات التحليلية والنقدية (الفكر)، وأنطلق من تصور يرى المعرفة وحدةً عضوية، وأن ما يبدو تنوّعًا في اشتغالاتي ليس سوى تعدّد في الأدوات لخدمة معنى واحد.
– ما الذي أضافه التاريخ إلى قراءتك للنصوص الأدبية والفكرية؟
أضفى التاريخ على قراءتي للنصوص بعدًا حيويًا جعلها تتجاوز مستوى التجريد النظري، إذ يتيح التاريخ الكشف عن شروط إنتاج النصوص، بما في ذلك الصراعات الاجتماعية، والتحولات السياسية، وأنماط الوعي السائدة في زمنها.
وبهذا المعنى، أشار أنه يتحول النص من خطاب معزول إلى وثيقة حيّة تعبّر عن تفاعل الإنسان مع سياقه الزمني، مؤكدًا إن استحضار البعد التاريخي يوسع أفق التأويل، ويجعل القراءة أكثر عمقًا ومسؤولية معرفية.
– في كتابك «الكارما في الإسلام»، ما الدافع المعرفي لمعالجة هذا المفهوم من زاوية إسلامية؟
ينطلق هذا الكتاب، الصادر عام 2009، من دافع معرفي خالص يتمثل في فتح أفق حوار حضاري عبر ما يمكن تسميته «المفاهيم الجسرية»، فقد سعيت إلى تتبع حضور فكرة ترابط الأفعال بنتائجها في الموروث الإسلامي، من خلال مفاهيم مثل الجزاء، والسنن الإلهية، ومبدأ المسؤولية الأخلاقية.
وأشار أنه لم يكن الهدف إسقاط مفهوم وافد أو إجراء مقاربة قسرية، بل تفكيك المركزية الثقافية، وإبراز اشتراك الثقافات في معالجة الأسئلة الأخلاقية الكبرى، مع تقديم تأصيل إسلامي يوضح خصوصية الرؤية الإسلامية ويصحح بعض الالتباسات الشائعة حول هذا المفهوم.
– كيف يمكن تناول مفاهيم إنسانية شائعة عالميًا ضمن سياقها الثقافي والديني دون إسقاط أو تعميم؟
يتطلب ذلك اعتماد منهجية علمية حذرة تقوم، أولًا، على تفكيك المفهوم وفهمه في سياقه الثقافي الأصلي، وثانيًا، على البحث عن الجذور الإنسانية المشتركة التي أدت إلى ظهور مفاهيم مشابهة في ثقافات أخرى.
وتابع: بعد ذلك، يمكن إعادة قراءة المفهوم ضمن السياق الجديد مع احترام منطقه الداخلي والاعتراف الصريح بالفروق، ويكمن الخطر الأكبر في ما يمكن تسميته «الترادف الوهمي»، أي افتراض تطابق المفاهيم لمجرد التشابه اللفظي، موضحًا أن الوحدة الحقيقية لا تتحقق بتوحيد المفاهيم، بل بفهم تنوع تمثّلاتها الإنسانية.
– إلى أي مدى يستطيع الكاتب تبسيط الفكرة العميقة دون المساس بجوهرها؟
التبسيط، في تصوري، ليس تقليصًا للفكرة بل تكثيفًا لها، وهو عملية معرفية شبيهة بالنحت، تُزال فيها الزوائد لكشف البنية الجوهرية دون الإخلال بها.
كما يمكن تحقيق ذلك عبر المجاز، أو السرد، أو الصورة المركزة التي تحتفظ بطبقات متعددة من الدلالة، فالتبسيط غير الواعي يقدّم إجابات مغلقة، بينما التبسيط الرصين يفتح أسئلة ويحفّز القارئ على مزيد من التفكير والتأمل.
– كيف ترى موقع الشعر اليوم بوصفه ظاهرة ثقافية في المشهد الفكري العام؟
يحتل الشعر اليوم موقعًا هامشيًا من حيث الانتشار الجماهيري، لكنه يحتفظ بقيمته بوصفه ممارسة ثقافية عميقة و«ضميرًا لغويًا» يقاوم التسليع والتسطيح.
واستطرد حديثه قائًلا: أنه لم يعد الشعر الأداة الأساسية للتعبير الجمعي، لكنه تحول إلى فضاء تجريبي لاختبار اللغة ورصد التحولات الوجدانية والاجتماعية التي قد لا تلتقطها الخطابات الأخرى إلا في مراحل لاحقة.

– هل ما زال الشعر قادرًا على التأثير في الوعي الجمعي؟
تراجع التأثير المباشر والسريع للشعر، غير أن أثره البنيوي والتأسيسي لا يزال فاعلًا، فالشعر يسهم في صياغة الاستعارات الكبرى التي تتسرب لاحقًا إلى الخطاب الثقافي العام، ويعمل على إعادة ترطيب اللغة وإثراء أفقها الدلالي، ويمكن تشبيه دوره بالمياه الجوفية التي تغذي التربة الثقافية على المدى الطويل دون أن تكون مرئية دائمًا.
– ما الفرق بين الشعر كقيمة ثقافية والشعر بوصفه محتوى استهلاكيًا سريعًا؟
الشعر بوصفه قيمة ثقافية ينشغل بالبحث عن المعنى عبر لغة كثيفة قابلة للتأويل، ويستدعي زمنًا داخليًا قائمًا على التريث والتأمل في المقابل، يسعى الشعر الاستهلاكي إلى تحقيق استجابة انفعالية سريعة بلغة مباشرة وأنماط جاهزة، ويُستهلك غالبًا في لحظة التلقي، ويكمن الفرق الجوهري في عمق التجربة التي يقدمها كلّ منهما.
– هل أسهمت المنصات الرقمية في خدمة الشعر أم في تسطيحه؟
أسهمت المنصات الرقمية في نشر الشعر على نطاق واسع وكسر احتكار النخب الثقافية، لكنها في الوقت نفسه فرضت منطق السرعة والتفاعل اللحظي، ما شجع أنماطًا شعرية قابلة للاستهلاك السريع على حساب التجارب العميقة.
وأبان الجهني خلال حديثه الممثر أن الإشكال لا يكمن في المنصات ذاتها، بل في خضوعها لآليات السوق والخوارزميات التي تفضّل ما هو سريع الانتشار لا ما هو عميق الأثر.
– كيف تتقاطع العلاقة بين الشعر والسرد والتاريخ في تشكيل الوعي الثقافي؟
يشكل الشعر والسرد والتاريخ منظومة معرفية متكاملة تسهم في بناء الوعي الثقافي، فالشعر يوفّر الكثافة الرمزية والبعد الوجداني، بينما يمنح السرد الامتداد الزمني والتجربة الإنسانية المتسلسلة، ويقدم التاريخ الإطار الواقعي والمرجعي الذي يضبط الخيال، ومن خلال هذا التفاعل، يتكوّن تصور أكثر شمولًا وتعقيدًا للواقع.
– ما التحدي الأكبر الذي يواجه الخطاب الثقافي الجاد في زمن السرعة؟
يتمثل التحدي الأبرز في تآكل «الزمن المعرفي» اللازم للفهم العميق، فثقافة السرعة لا تقلص وقت القراءة فحسب، بل تعيد تشكيل آليات التفكير ذاتها، مفضلة الخلاصات الجاهزة على المسارات التحليلية المركبة.
وأكد أن الحل يكمن في ابتكار صيغ جديدة لنقل الخطاب الجاد تحافظ على طبيعته التراكمية، مع إعادة الاعتبار لقيمة القراءة البطيئة.
– ما القضايا الفكرية التي ترى أنها ما زالت بحاجة إلى قراءة معاصرة مسؤولة؟
تشمل هذه القضايا مفاهيم الحرية والمسؤولية في ظل التحولات الرقمية والبيولوجية، وإشكاليات الهوية والانتماء، وحدود الخصوصية والعالمية، وتتطلب معالجتها قراءة متعددة التخصصات تجمع بين الفلسفة وعلم الاجتماع ودراسات التقنية، وتضع الكرامة الإنسانية والعدالة في صميم أي مقاربة فكرية.

– هل اللغة هي الأداة الأساسية في معركة الكتابة لديك؟
اللغة هي الأداة الجوهرية في تجربتي الكتابية، لكنها ليست وسيطًا محايدًا، بل مادة حية تتفاعل مع التجربة وتعيد تشكيلها، فالمواجهة ليست باللغة وحدها، بل معها أيضًا، في محاولة لتوسيع طاقتها التعبيرية ودفعها إلى مناطق لم تألفها من قبل، ومن هذا التوتر الخلاق يتولد المعنى.
– ماذا تعني لك «الحدود» في تجربتك الروائية؟
الحدود، في تجربتي، ليست فاصلًا جامدًا بل منطقة تماس تكشف الهويات في حالتها غير المكتملة، فالعيش على الحدود هو عيش في فضاء «البين»، حيث تتقاطع الانتماءات وتتزعزع اليقينيات.
وأكد الجهني أنه ومن هذا الموقع الهش تتولد الرؤية، إذ لا يُصاغ المعنى في المراكز المغلقة، بل على الحواف المتوترة التي تجعل الهوية سؤالًا دائمًا لا إجابة نهائية.
وفي ختام هذا الحوار الفكري العميق، يقدم الدكتور نايف الجهني رؤية معرفية تتجاوز حدود الأجناس والحقول، لتؤكد أن بناء الوعي الإنساني لا يتحقق إلا عبر التكامل بين الأدب والتاريخ والفكر، وبالانفتاح المسؤول على أسئلة العصر وتحولاته.
ويكشف هذا اللقاء عن مشروع ثقافي يسعى إلى مقاومة التسطيح والاختزال، وإعادة الاعتبار للقراءة المتأنية، واللغة العميقة، والشعر بوصفه ضميرًا ثقافيًا لا يفقد فاعليته وإن تراجع حضوره الجماهيري.










لقاء جميل ومميز