ضيفة الحوار: د. رانية خوقير، باحثة ومصممة أزياء معاصرة بمرجعية تراثية، تنظر إلى الأزياء بوصفها خطابًا ثقافيًا يتجاوز الشكل إلى المعنى، ويستند إلى فهم عميق للهوية والذاكرة والسياق.
في هذا الحوار، تفتح د. خوقير أسئلة التراث بعيدًا عن الاستعادة الحرفية، وتناقش إشكاليات التقديم، وحدود المعاصرة، ودور المصمم بوصفه باحثًا لا مزخرفًا، مقدّمة رؤية هادئة تعيد للزي مكانته كفكرة لا كمنتج عابر.
– الأزياء، في تجربتكِ، لا تُقدَّم بوصفها جماليات فقط. متى بدأتِ النظر إليها كلغة وهوية؟
منذ البدايات الأولى بدأ الأمر كشغف بصري، لكنه سرعان ما تحوّل إلى سؤال عن المعنى، لم أتعامل مع اللباس يومًا بوصفه شكلًا منفصلًا عن سياقه، بل باعتباره حاملًا لذاكرة المكان والإنسان والزمن، مبينًةً أن سؤال الهوية كان حاضرًا قبل أن تتشكّل أدواته المعرفية لدي.

– وهل كانت الممارسة التصميمية كافية للإجابة عن هذا السؤال؟
لا الممارسة وحدها لا تكفي، والتراث لا يُفهم بالعين فقط، بل يحتاج إلى تفكيك سياقي: تاريخي، اجتماعي، ومعرفي، مضيفًا بإن هنا بدأ التحوّل نحو البحث، لأن التصميم دون فهم يتحوّل إلى تكرار بصري.
– إذن أنتِ لا تستعيدين التراث، بل تعيدين قراءته؟
بالضبط الاستعادة الحرفية تُجمّد التراث، وما يحييه هو القراءة الجديدة، وأن التراث بالنسبة لي مرجعية مفتوحة قابلة للتأويل، لا قالبًا جاهزًا يُعاد إنتاجه.
– كثيرًا ما يُوصف عملكِ بـ “الأزياء التراثية”. هل يعبّر هذا التوصيف عن تجربتكِ؟
أحترمه، لكنه يختزل التجربة، وأنا أعمل في التصميم المعاصر، لكن من منطلق تراثي وبحثي، مؤكدةً أن التراث ليس التصنيف، بل نقطة البداية.
– أين تقفين بين المعاصرة والتراث؟
في المساحة الفاصلة بينهما، وأرى التراث أرضًا خصبة يستقي منها المصمم إبداعه، بشرط ألّا تُمس الهوية الأساسية، وهو نقطة انطلاق لا سقفًا، وسؤال مفتوح لا إجابة جاهزة.
– متى يتحوّل استلهام التراث إلى تكرار مريح؟
عندما يغيب السؤال، ويحلّ مكانه الاطمئنان للصيغة الجاهزة، عندها يصبح التراث خيارًا آمنًا، لا يتطلب مخاطرة فكرية أو تصميمية.
– هل هذا ما يحدث اليوم مع بعض التجارب؟
نعم أحيانًا يُستدعى التراث لأنه مألوف ومقبول جماهيريًا، لا لأنه مفهوم أو مُفكك، فيُختزل في شكله وتُغيب دلالاته.
– أزياء الشمال السعودي مثال على هذا الغياب. لماذا لم تحضر بقوة؟
لأنها لا تُجامل الذائقة السائدة، وأن أزياء الشمال متقشّفة وصادقة، مرتبطة بالمناخ والعبور، وليست غائبة، بل لم تُقرأ بعد بالأدوات المناسبة، ولم تُقدَّم بالشجاعة الكافية.

– هل المشكلة في التوثيق أم في الجرأة التصميمية؟
في الاثنين معًا، ونحن نحتاج إلى توثيق يحفظ التفاصيل، وجرأة تقدّم التراث كما هو، دون تلطيف أو تكييف قسري مع الذائقة السريعة.
– لماذا تحظى مناطق بحضور دائم في المشهد، وتُهمَّش أخرى؟
الأمر لا يرتبط بقيمة التراث، بل بمنطق التسويق والإعلام مؤكدًة أن جميع مناطق المملكة تحمل ثراءً بصريًا وثقافيًا يستحق التقديم والدراسة.
– في Mix & Match 2026، اخترتِ الهدوء بدل الاستعراض. لماذا؟
لأنه موقف ضد الاستهلاك السريع للتراث، حيث أردت أن يُقدَّم الزي بوصفه فكرة وهوية، لا عرضًا صاخبًا يُستهلك سريعًا.
– هل يمكن للأزياء أن تكون خطابًا ثقافيًا صامتًا؟
نعم حين يكون التصميم صادقًا، يكون قادرًا على إيصال معنى عميق دون تصريح أو شعارات.
– كيف تنعكس حياة المرأة المعاصرة على هذا النوع من التصميم؟
من خلال المرونة، فإن القطعة يجب أن تعيش مع المرأة وتواكب تعدد أدوارها، دون أن تفقد هويتها أو معناها.
– ما الخطر الأكبر على التراث اليوم؟
تسويقه بلا وعي، لأنه يُفرغه من معناه، مؤكدًة أن التوازن بين الحماية والتقديم الواعي هو التحدي الحقيقي.
– هل المصمم مطالب اليوم بأن يكون باحثًا؟
إذا كان يعمل على الهوية، نعم لا يمكن التعامل مع التراث دون معرفة، وإلا تحوّل التصميم إلى شكل بلا مضمون.
– كيف تحبّين أن تُفهم تجربتكِ في النهاية؟
كمصممة معاصرة تنطلق من التراث، لا لتكراره، بل لإعادة تعريفه بلغة زمنها.
– ولو اختصرتِ فلسفتكِ في جملة؟
ج: التراث لا يقيّد الإبداع، بل يمنحه عمقًا… والعائق الحقيقي هو الخوف من التفكير.



اترك تعليقاً