الأحجار الكريمة بين الجمال الحقيقي واللمعان الخادع.. حوار مع خبير التقييم والصقل “علي الزهراني”

الصورة الرمزية لـ صدى تبوك
الصورة الرمزية لـ صدى تبوك
المصدر:

تواصل صحيفة “صدى تبوك” تقديم حواراتها النوعية التي تفتح مساحات مختلفة للفهم، حيث التقت بعلي الزهراني، صانع الأحجار الكريمة، الذي ينظر إلى الحجر بوصفه كائنًا زمنيًا لا مادة صامتة، وحرفةً تتجاوز حدود الصقل إلى معنى أعمق يتقاطع مع التاريخ والذائقة والهوية.

ويُعد الزهراني من الأسماء التي تمارس هذه المهنة بمنهج تأملي، يوازن بين المعرفة الفنية والخبرة المتراكمة، ويرى في الحجر قصةً تُقرأ قبل أن تُلبس، وفي الصنعة مسؤولية لا تُختزل في المنتج النهائي.

– البدايات… من الفضول إلى الالتزام

يرى الزهراني أن دخوله عالم الأحجار لم يكن نتيجة قرار مسبق، بل بدأ بنظرة عابرة إلى حجر غير مصقول، يحمل حضورًا لافتًا دون سبب واضح.

ومع الوقت، تحوّل الفضول إلى شغف حين أدرك أن كل حجر يحمل تاريخًا أقدم من الإنسان، وأن التعامل معه ليس امتلاكًا، بل مشاركة في رحلة طويلة.

وأكد الزهراني أن اكتشاف الحجر لا يتم بعامل واحد، فالعين ترى، والخبرة تفسّر، والحدس يؤكّد، موضحًا أن الحدس ليس إحساسًا غامضًا، بل نتاج سنوات من التجربة والخطأ والتعامل المباشر مع مئات الأحجار المختلفة.

– رحلة الحجر ومعنى الاستخراج

يشرح الزهراني أن رحلة الحجر تبدأ من أعماق الأرض، من ضغط وزمن وحرارة، وقد تقرّبه إلى السطح أحداث جيولوجية، قبل أن ينتقل بين أيادٍ متعددة حتى يصل إلى الصانع، حيث تبدأ مرحلته الثانية.

وأشار إلى أن العالم لا يزال يخفي الكثير، لكن الجديد اليوم لا يعني دائمًا اكتشاف حجر جديد، بقدر ما يعني إعادة فهم ما كان مهملًا أو غير مقدّر، مؤكدًا أن القيمة لا تُختزل في الجغرافيا، فالحجر المحلي يحمل هوية المكان، والمستورد يحمل خبرة العالم، وكلاهما يستحق الاحترام.

– التقييم… بين العلم والإحساس

ويُقيَّم الحجر مهنيًا وفق معايير معروفة مثل اللون والنقاء والوزن والقطع والندرة، إلا أن الزهراني يضيف عنصرًا يتجاوز هذه القواعد، وهو التوازن، فبعض الأحجار غير الكاملة شكليًا قد تكون أكثر صدقًا وقيمة من أحجار مثالية تخلو من الروح.

وأكد الزهراني إلى أن العين الخبيرة تستطيع قراءة الكثير، لكنها لا تدّعي الكمال، بينما تؤدي الأجهزة دور التأكيد لا الاستشعار، محذرًا من أخطاء شائعة لدى العامة، أبرزها الخلط بين اللمعان والقيمة، وبين الحجم والجودة، وبين السعر والندرة.

– الصقل… الكشف لا الفرض

ويرى الزهراني أن الصقل ليس خطوة إلزامية، بل قرار أخلاقي وفني في آن واحد، لا يُتخذ إلا عندما يكون إضافة حقيقية لجمال الحجر، لا فرضًا عليه، فبعض الأحجار – كما يقول – جمالها في بقائها خامًا.

ويضيف أن الصقل لا يغيّر الحجر، بل يكشف ما هو كامن فيه، مشيرًا إلى أن ليست كل الأحجار تتحمّل هذه المرحلة، وأن أخطر المراحل هي التقييم الأولي، لأن أي خطأ فيها ينعكس على كامل العمل.

– الأصالة في مواجهة التزييف

كما أوضح الزهراني أن الحجر الطبيعي غير كامل، وهذا تحديدًا مصدر جماله، بينما يبدو المصنّع مثاليًا أكثر من اللازم، ومع تطور المختبرات، أصبحت محاولات التزييف أكثر تعقيدًا، ما يتطلب أدوات فحص متخصصة وخبرة دقيقة.

وأكد أن التزييف أصبح خطرًا حقيقيًا، لكن الطبيعة تترك دائمًا أثرًا لا يمكن محوه، مشددًا على أن وعي المستهلك يبدأ من معرفة البائع قبل فحص الحجر.

– الذائقة والمعنى

ويفصل الزهراني بين الذوق والموضة، معتبرًا أن الذوق ثابت وأصيل، بينما الموضة عابرة ومتغيّرة، كما يرى أن ارتباط الناس بحجر معيّن يعود غالبًا إلى انعكاس داخلي وشعوري، حتى وإن لم يكن واعيًا.

أما الحديث عن تأثير الأحجار، فيرفض اختزاله في مفاهيم الطاقة أو السحر، مؤكدًا أن العلاقة علاقة شعورية وتاريخية، وليست غيبية.

– مكة… المكان الذي يعيد تعريف القيمة

كما تحدث الزهراني عن أثر مكة المكرمة في تشكيل رؤيته، حيث تختلط الثقافات وتتعدد الذائقات، ما يعيد تعريف القيمة بوصفها معنى قبل أن تكون سعرًا، ويصف ذائقة أهل مكة بأنها تجمع بين بساطة عميقة وحضور واضح.

– السوق والمهنة

ويرى أن السوق العربي يملك إمكانات كبيرة، لكنه يعاني من إشكالية المعرفة، حيث أسهمت كثرة المدّعين للخبرة دون أساس علمي في نشر مفاهيم خاطئة وخرافات، مؤكدًا أن الأحجار جزء من الاقتصاد الإبداعي متى ما قُدّمت كحرفة وهوية لا كسلعة فقط.

– الإنسان والحجر

تعلّمه الأحجار الصبر، فكل ما هو جميل يحتاج وقتًا وجهدًا لإبراز جماله الكامن، ويقول إن المهنة جعلته أبطأ وأكثر دقة، وأن لحظة الرضا الحقيقي تأتي حين ينظر إلى القطعة ولا يشعر برغبة في تغيير أي تفصيل فيها.

– كلمة أخيرة

يختصر علي الزهراني في نهاية حواره فلسفة المهنة بقوله إن الحجر ليس زينة فحسب، بل قصة زمنية قد تمتد لملايين السنين، مؤكدًا أنه لو عاد به الزمن لاختار هذا الطريق مرة أخرى، لكن بطمأنينة أكبر واستفادة أعمق من الأخطاء.

وخلاصة المهنة في جملة واحدة:
عامل الحجر باحترام… فهو أقدم منك.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *