كنت أمزح والجبهة طارت

يُحكى – والعهدة على المجالس – أن أحدهم قال كلمة ساذجة في لقاء عابر، فابتلاه الله بكائن اجتماعي يُدعى “قاصف الجباه”. رد عليه برد قاسٍ ساخر ذكي لاذع، فصفق الحضور… وماتت روحه من الحرج.
من يومها، انتشر هذا النوع من البشر مثل الإنفلونزا في المدارس. الفرق الوحيد؟ الإنفلونزا لها علاج، بينما “قصف الجباه” يحتاج تدخلًا اجتماعيًا عاجلًا… وأحيانًا “بلوك”.
هو نسخة حديثة من التنمر، لكن بتغليف بلاغي فخم. المبدأ بسيط: جرّح، لف الجرح بورق بلاغة، ثم قل: “وش فيكم حساسّين؟ كنت أمزح.” وينتهي المشهد بضحكة صفراء من الطرف الآخر تفتح الباب لليلة من التفكير في “أنا ليه ما رديت؟”
هناك عدة أنواع من القاصفين. النوع الأول هو القاصف الفخور بنفسه، الذي يعتقد أن كل جبهة يقصفها ترفع رصيده في بورصة الذكاء. يمشي في المجالس مثل رامز جلال، ينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض. النوع الثاني هو القاصف الخبيث، الذي لا يقصفك مباشرة، بل يبتسم ويقول: “أنا أحب الناس البسطاء مثلك، عفوي جدًا.” فتجلس تفكر: “هو مدح؟ ولا سلق؟” أما النوع الثالث فهو القاصف الإلكتروني، مجهول جالس في مكان ما، يكتب: “تغريدتك تافهة… بس استمتعت بضحكتي عليك.” ثم يطفئ الواي فاي ويذهب لينام مثل الأبطال.
ضحايا القصف هم ناس طيبون صدقوا أن الحديث البريء لا يُقصف، وأصدقاء جاؤوا للوناسة فرجعوا بتقارير نفسية، وموظفون حاولوا يشاركون فكرة فخرجوا بلا ثقة وباستقالة نصية في الملاحظات.
المشكلة ليست في القصف فقط… بل في الجمهور! الجمهور هو الوقود. الناس تضحك، ثم تنشر، ثم تكتب تحت المقطع: “هههههه هذا اللي يقول الصدق!” الصدق؟ يا عزيزي، الصراحة ليست مرادفًا للقسوة، ولا الذكاء مرادفًا للبلطجة اللفظية.
طيب، متى يكون القصف “فنًا”؟ لما يكون الرد ذكيًا بلا إهانة، ساخرًا بلا تجريح، لطيفًا وإن دخل في العمق. أما من يقول: “شكلك تقول نكتة، بس يمكن ما فهمنا لأنك ممل”، فهذا ليس قصفًا، بل محاولة يائسة للفت النظر… بعد أن فشل في كل شيء آخر




