الدكتور أحمد عبدالغني الثقفي: التردد لا يصنع إعلامًا والحقيقة تُختبر في مواجهة الضجيج
تواصل صحيفة صدى تبوك تقديم حواراتها النوعية مع شخصيات إعلامية وطنية، حيث التقت بالدكتور أحمد عبدالغني الثقفي، الصحفي والإعلامي السعودي المتخصص في العلاقات الإعلامية الدولية بوزارة الإعلام، والناشط في الفعاليات الثقافية ذات البعد الدولي، والمستشار الإعلامي لصحيفة «إشراق لايف واضواء الوطن وسهم واشجان.
ويُعد الدكتور أحمد الثقفي من الكفاءات الإعلامية التي أسهمت في تطوير العمل الإعلامي المؤسسي، وشارك في عدد من المنصات المحلية والدولية، وتقلّد عدة مناصب إعلامية، كما عمل مراسلًا لعدد من القنوات والصحف، ويحمل عضويات محلية ودولية في جهات إعلامية وثقافية. وهو حاصل على دكتوراه فخرية في الإعلام والاتصال المؤسسي، ومُختار سفيرًا للنوايا الحسنة ضمن شخصيات عربية مؤثرة.
شكر وتقدير
وفي مستهل الحوار، وجّه الدكتور أحمد الثقفي شكره وتقديره لسعادة الأستاذ عبدالله بن حمد الفرحان، رئيس تحرير صحيفة صدى تبوك، مثمنًا الجهود التحريرية التي تبذلها الصحيفة في خدمة القارئ والمجتمع، ودورها في مواكبة التحولات الإعلامية بما يتوافق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.
وأكد أن تميز الصحيفة نابع من عمل تحريري منظم، ورؤية مهنية واعية، واحترام لعقل القارئ، مع قدرة واضحة على الجمع بين العمق والمهنية.
حول المشهد الإعلامي والتحول الرقمي
وحول المشهد الإعلامي في ظل التسارع الرقمي، أوضح الثقفي أن الإعلام يعيش حالة تحوّل دائم، لا يمكن وصفها بالاستقرار بقدر ما هي حركة متواصلة، مبينًا أن الرقمنة لم تغيّر أدوات النشر فقط، بل أعادت تشكيل العلاقة بين الإعلامي والجمهور، وبين المعلومة والزمن.
وأضاف أن الخبر لم يعد ينتظر غرفة التحرير، بل يولد في الفضاء الرقمي، ويخضع منذ لحظته الأولى للتفاعل والتأويل وإعادة الصياغة، ما يضاعف مسؤولية الإعلامي ويجعل الخطأ أكثر كلفة.
وظيفة الإعلام بين التغيير والتجدد
وأكد الثقفي أن المنصات الجديدة غيّرت أدوات الإعلام ووظيفته معًا، حيث لم يعد الإعلام ناقلًا للمعلومة فحسب، بل أصبح صانع سياق، وموضح معنى، وحارس ثقة.
وأشار إلى أن الجمهور اليوم لا يكتفي بمعرفة ما حدث، بل يبحث عن الأسباب والتفسيرات والأثر، وهو ما نقل الإعلام من التلقين إلى التفسير، ومن البث الأحادي إلى الحوار المفتوح.
المهنية في زمن السرعة
وفيما يتعلق بالمهنية، أوضح أنها تقف اليوم في منتصف الطريق بين الإغراء والاختبار، حيث تفرض السرعة والانتشار والتفاعل اللحظي ضغوطًا متزايدة قد تدفع للتنازل عن الدقة.
وشدد على أن المحتوى السريع قد يحقق انتشارًا آنيًا، لكن المحتوى المهني وحده يبني الثقة طويلة المدى، مؤكدًا أن المهنية أصبحت ضرورة استراتيجية لا قيمة أخلاقية فقط.

هل السرعة عدو الحقيقة؟
بيّن الثقفي أن السرعة تتحول إلى عدو للحقيقة حين تسبق التحقق، لكنها تصبح حليفًا لها حين تُدار بوعي ومنهجية.
وأكد أن المشكلة ليست في السرعة ذاتها، بل في غياب منظومة تحقق سريعة، مشيرًا إلى أن الإعلام الذكي هو من يوازن بين حق الجمهور في المعرفة السريعة وحقه في المعرفة الصحيحة.
واقع الإعلام السعودي
وعن تقييمه للإعلام السعودي، أكد الثقفي أنه يشهد مرحلة نضج واضحة على مستوى التنظيم المؤسسي ووضوح الرؤية وتنوع المنصات، مع انتقال ملموس من رد الفعل إلى الفعل، ومن الاجتهاد الفردي إلى العمل المنهجي.
كما أشار إلى تنامي الحضور الدولي للإعلام السعودي بثقة واحترافية، مستندًا إلى سردية وطنية واضحة دون التفريط في الهوية.
مكاسب التحول والتحديات القائمة
وأوضح أن أبرز مكاسب التحول الإعلامي تتمثل في الاستثمار في الإنسان قبل المنصة، وبناء بيئات عمل أكثر تخصصًا، واعتماد البيانات وقياس الأثر بدل الاكتفاء بالانطباعات.
وفي المقابل، أشار إلى تحديات ما زالت قائمة، أبرزها ضبط التوازن بين الكم والنوع، ومقاومة السطحية التي يفرضها اقتصاد الانتباه، ورفع الثقافة الإعلامية لدى الجمهور، إضافة إلى ترسيخ الفصل الواضح بين الخبر والرأي والإعلان.
الحضور والتأثير
وحول الفرق بين الحضور الإعلامي والتأثير الحقيقي، قال الثقفي إن الحضور هو الظهور والتكرار، بينما التأثير هو الأثر المتبقي بعد انتهاء الظهور، ويُقاس بتغير الوعي وبناء القناعة وتحفيز التفكير، لا بعدد المشاهدات فقط. وأكد أن بعض الأصوات تحضر بكثافة دون أثر، فيما يترك آخرون أثرًا عميقًا بكلمات قليلة في توقيت صحيح.
الصورة والعلاقات العامة
وأوضح أن الصورة تتحول إلى عبء على الفكرة حين تصبح غاية بحد ذاتها، ويُختزل الخطاب في الشكل دون المضمون.
كما أكد أن العلاقات العامة ضرورة لتنظيم الرسالة وبناء الثقة وإدارة السمعة، لكنها تتحول إلى خطر حين تُستخدم لتلميع الزيف أو تضليل الجمهور، مشددًا على أن العلاقات العامة الناجحة تُحسن تقديم الحقيقة ولا تصنع حقيقة بديلة.
صانع المحتوى والإعلامي المحترف
وفي حديثه عن الفروق بين صانع المحتوى والمؤثر الإعلاني والإعلامي المحترف، أكد أن الفارق الحقيقي يكمن في المنهج والغاية، فالإعلامي المحترف يعمل ضمن إطار مهني واضح، يلتزم بالتحقق والتوازن والمسؤولية العامة، بينما قد تتقاطع الأدوار ظاهريًا دون أن تتساوى في جوهرها.
الجمهور والنخب
وأشار الثقفي إلى أن الجمهور اليوم أكثر سرعة في الاستهلاك، لكنه أكثر وعيًا في التمييز، وقد ينجرف خلف الضجيج، لكنه يعود دائمًا لمن يثق به.
كما أكد أن المرحلة تجمع بين وعي متنامٍ وضجيج متراكم، وأن معركة الإعلام الحقيقية هي معركة ثقة لا معركة أرقام.
ودعا النخب الأكاديمية والفكرية إلى النزول بمعارفها إلى فضاء الفهم العام دون تسطيح، والمشاركة في توجيه النقاش بدل ترك الفراغ لغير المؤهلين.

الظهور والصمت
وأكد أن الظهور الإعلامي يكون خدمة للفكرة حين يكون محسوبًا ويضيف قيمة معرفية ويحترم عقل الجمهور، بينما يصبح الصمت موقفًا واعيًا حين يكون مبنيًا على تقدير أثر الكلمة أو انتظار اكتمال المعلومة أو رفض الانجرار إلى جدل بلا جدوى.
كلمة أخيرة
وفي ختام الحوار، لخص الدكتور أحمد الثقفي المشهد الإعلامي اليوم بكلمة واحدة هي «الثقة»، مؤكدًا أنها العملة الأندر في زمن الوفرة، وأن من يكسب ثقة الجمهور يكسب الاستمرارية، بينما لا تعوض كثرة المنصات ولا اتساع الانتشار فقدان المصداقية.
الشكر على التحقيق الصحفي
واختتم الثقفي حديثه بتوجيه الشكر والتقدير لأسرة تحرير صحيفة صدى تبوك على التحقيق الصحفي المميز، الذي عكس احترافية عالية ومنهجية قائمة على البحث والتحقق وربط السياقات، مؤكدًا أن هذا النوع من العمل يعيد الاعتبار لقيمة الصحافة الجادة، ويعزز ثقة القارئ بالمؤسسة الإعلامية، ويُسهم في رفع الوعي وتصحيح المفاهيم.


اترك تعليقاً